وَقَدْ صَوَّبَهُ الصَّفَدِيُّ فِي (تَصْحِيحُ التَّصْحِيفِ وَتَحْرِيرُ التَّحْرِيفِ) [1] .
وَبِهَذَا الْقَوْلِ أَخَذَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ [2] ، قَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « ... قَالَ الزَّرْكَشِيُّ [3] "وَعَيَّرَهُ": الأَفْصَحُ تَعْدِيَةُ"عَيَّرَ"بِنَفْسِهِ، تَقُولُ:"عَيَّرْتُهُ كَذَا".
وَتَعَقَّبَهُ فِي (الْمَصَابِيحِ) [4] بِأَنَّ الَّذِي فِي (الصِّحَاحِ) [5] "وَعَيَّرَهُ كَذَا"مِنَ التَّعْيِيرِ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ:"عَيَّرْتُهُ بِكَذَا"، وَقَالَ فِي (الْفَتْحِ) : وَقَدْ سُمِعَ"عَيَّرْتُهُ بِكَذَا"، كَمَا هُنَا» [6] .
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَعَدِّي"عَيَّرَ"بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ اسْتِعْمَالاَنِ مَشْهُورَانِ عَنِ الْعَرَبِ؛ فَلاَ أَحَدَ مِنْهُمَا أَفْصَحُ مِنَ الآخَرِ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْعَيْنِيُّ الْقَائِلُ: «قَوْلُهُ: (فَعَيَّرْتَهُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: نَسَبْتَهُ إِلَى الْعَارِ، وَفِي (الْعُبَابِ) : الْعَارُ: السَّبَّةُ وَالْعَيْبُ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ:"النَّارَ وَلاَ الْعَارَ" [7] ، أَيِ: اخْتَرِ النَّارَ، أَوِ الْزَمْهَا، وَ"عَارَهُ يَعِيرُهُ": إِذَا عَابَهُ، وَهُوَ مِنَ الأَجْوَفِ الْيَائِيِّ، يُقَالُ:"عَيَّرْتُهُ بِكَذَا، وَعَيَّرْتُهُ كَذَا"» [8] .
وَإِلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُشِيرُ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: «قَوْلُهُ: (يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ) قِيلَ: الأَفْصَحُ أَنْ يُعَدَّى التَّعْيِيرُ بِنَفْسِهِ، تَقُولُ:"عَيَّرْتُهُ كَذَا"، وَقَدْ سُمِعَ هَكَذَا مِثْلُ مَا هُنَا» [9] .
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ [10] إِلَى إِنْكَارِ تَعَدِّي"عَيَّرَ"بِالْبَاءِ، وَعَدَّهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ لَحْنِ الْعَامَّةِ، فَقَالَ: «وَقَوْلُهُ: (لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ لأَقَرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ) [11] ، أَيْ: تَسُبُّنِي وَتُقَبِّحُ عَلَيَّ، يُقَالُ:"عَيَّرْتُهُ بِكَذَا تَعْيِيرًا"، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ بِالْبَاءِ، وَالأَوَّلُ كَلاَمُ الْعَرَبِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
(1) ص:389.
(2) ينظر: عمدة القاري 21/ 37، وإرشاد الساري 12/ 158.
(3) ينظر: التنقيح 1/ 36، 2/ 563.
(4) ينظر: مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:1261.
(5) تنظر مادة (ع ي ر) .
(6) إرشاد الساري 12/ 158.
(7) المثل في: جمهرة الأمثال 2/ 253.
(8) عمدة القاري 1/ 167، 206.
(9) فتح الباري 9/ 443.
(10) ينظر: أدب الكاتب، ص:323، وعقود الزبرجد 2/ 136.
(11) مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، ح 42 - (25) 1/ 55، بلفظ: «لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأَقَرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ» .