فهرس الكتاب
ثَالِثًا: مَكَانَةُ الْقِيَاسِ لَدَى النَّحْوِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ:
أَثْبَتَ الْبَحْثُ أَنَّ الْقِيَاسَ مُسَيْطِرٌ عَلَى جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ الْقُدَامَى، عَلَى اخْتِلاَفِ مَدَارِسِهِمْ، وَمِنْ مَظَاهِرِ تِلْكَ السَّيْطَرَةِ مَا يَلِي:
-تَوْجِيهُهُمْ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ؛ طَلَبًا لِمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ عَنْ"مَحَاسِنَ"وَنَحْوِهَا: إِنَّهَا جُمُوعٌ لآحَادٍ مُهْمَلَةٍ، اسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ جَمْعِ آحَادٍ أُخْرَى مُسْتَعْمَلَةٍ. [1]
-تَخْطِئَةُ بَعْضِهِمْ وَرَدِّهِمْ بَعْضَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْحَدِيثَ: «لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثُ عَهْدٍ» مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى؛ فَلاَ يَصِحُّ الاِحْتِجَاجُ بِهِ فِي ذِكْرِ خَبَرِ الْمُبْتَدَإِ بَعْدَ"لَوْلاَ". [2]
وَأَمَّا الْمُحْدَثُونَ مِنْهُمْ فَقَدْ نَجَوْا مِنْ تِلْكَ السَّيْطَرَةِ؛ لأَنَّ أَغْلَبَهُمْ يَعْتِقِدُونَ أَنَّ الْمَنْهَجَ الصَّحِيحَ لِدِرَاسَةِ اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ وَصْفِيًّا تَارِيخِيًّا؛ مِمَّا سَاعَدَهُمْ عَلَى دِرَاسَةِ اللُّغَةِ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا، مِنْ دُونِ اللُّجُوءِ إِلَى التَّأْوِيلِ، أَوِ الاسْتِثْنَاءِ، أَوِ التَّخْطِئَةِ ... وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ. [3]
وَقَدْ أَثْبَتَ الْبَحْثُ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْخِلاَفِ وَالتَّبَايُنِ بَيْنَ الْقُدَامَى وَالْمُحْدَثِينَ، يَرْجِعُ إِلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الْمَقْصَدِ وَالْمَطْلَبِ، وَالاخْتِلاَفِ فِي الظُّرُوفِ وَالْبِيئَاتِ.
فَاللُّغَوِيُّونَ الأَوَائِلُ كَانُوا يَهْدُفُونَ إِلَى مَنْعِ تَسَرُّبِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ؛ لِذَا أَسَّسُوا قَوَاعِدَهُمْ عَلَى الأَكْثَرِ فِي الاسْتِعْمَالِ وَالْعَدَدِ؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا يُدْرِكُونَ أَنَّ التَّهَاوُنَ فِي أَمْرِ الْقِيَاسِ يُؤَدِّي إِلَى الْبَلْبَلَةِ وَالاضْطِرَابِ فِي التَّفَاهُمِ، الَّذِي هُوَ أَهَمُّ خَصَائِصِ اللُّغَةِ.
عَلَى حِينَ كَانَ الْمُحْدَثُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ يَأْمُلُونَ إِلَى تَيْسِيرِ اللُّغَةِ وَتَوْسِعَةِ دَائِرَتِهَا؛ لِلْوُصُولِ إِلَى لُغَةٍ تُسَايِرُ التَّيَّارَ الْعِلْمِيَّ الْمُتَدَفِّقَ، وَالزَّحْفَ الْحَضَارِيَّ الْمُنْهَمِرَ؛ مِمَّا جَعَلَهُمْ يَفْتَحُونَ الْبَابَ بِمِصْرَاعَيْهِ.
فَالأَوَائِلُ هَدَفُهُمْ دِينِيٌّ عِلْمِيٌّ، وَالأَوَاخِرُ قَصْدُهُمْ تَعْلِيمِيٌّ اجْتِمَاعِيٌّ.
رَابِعًا: الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ وَمُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ:
-أَكَّدَ الْبَحْثُ أَنَّ الْمُخَالِفَ لِلْقِيَاسِ، الْخَارِجَ عَنِ الْقَاعِدَةِ، لَهُ أَوْصَافٌ كَثِيرَةٌ، ذُكِرَ بَعْضُهَا عِنْدَ تَوْجِيهِ مَجْمُوعَةٍ مِنْ أَحَادِيثِ (الصَّحِيحَيْنِ) ، مِنْهَا أَوْصَافٌ سَلْبِيَّةٌ -وَهِيَ الأَكْثَرُ-
(1) ينظر: ص: 720 من البحث.
(2) ينظر: ص: 359 من البحث.
(3) ينظر: ص:54 من البحث.