وعليه إمام الحرمين لا يجوز) الانقلاب (في ضروري هو شرط لكمال العقل إذ العقل) أي كماله (شرط للنظر) فانه لا يتم إلا به (وهو) أي النظر (شرط للنظري) لتوقفه عليه (فيكون النظري) أعنى الضروري المذكور الّذي انقلب نظريا (شرطا لنفسه ومتقدما عليه بمراتب) ثلاث بخلاف الضروري الذي ليس شرطا لكمال العقل فانه يجوز انقلابه نظريا لما مر في المذهب الأول وقد عرفت ما فيه (وأما انقلاب النظري ضروريا فجائز اتفاقا) من المتكلمين وذلك الانقلاب عندنا (بأن يخلق اللّه تعالى علما ضروريا متعلقا به) أي بالنظري (ومنع المعتزلة وقوعه) يعني أنهم وافقونا في التجويز لكن منعوا وقوع الانقلاب (في العلم باللّه تعالى وصفاته من حيث أن العبد مكلف به) أي بالعلم باللّه تعالى وصفاته (ولو) انقلب ضروريا (لم يكن مقدورا) للعبد كما مر في صدر الكتاب واذا لم يكن مقدورا له (قبح التكليف به) على زعمهم (ومعتمدهم في الجواز) أي معتمد المعتزلة في جواز انقلاب
فرض وقوعه محال إلا أن يقال المراد بقوله فلا دلالة عليه فلا دلالة تامة عليه بناء على أن الممكن اذا كان ممتنعا بالغير يلزم من فرض وقوعه محال [قوله فانه يجوز] جوازا في نفس الأمر لا جوازا عقليا ولذا استدل عليه بقوله لما مر [قوله يعني انهم الخ] أي قالوا بالجواز في المعارف المكلف بها نظرا إلى ذاتها وباستحالة الوقوع نظرا إلى كونها مكلفا بها فاندفع ما قيل إن اللازم من الدليل الاستحالة لا عدم الوقوع لان التكليف بالقبيح ممتنع عندهم وإن دليل المذهب الأول يدل على جواز الانقلاب في الكل فالتخصيص بما عد المعارف الإلهية تخصيص للدليل العقلي بما يعارضها كما هو دأب أصحاب العلوم الظنية [قوله من حيث أن العبد مكلف به] والمكلف به لا بد أن يكون اختياريا
ظاهرة وإلا فدليل المذهب الثاني لا يتم حينئذ لجواز الخلو بالكلية عن النظري والنظر أيضا (قوله لما مر في المذهب الأول) المراد بالجواز هو الإمكان في نفس الأمر لا الإمكان الذهني ولهذا احتيج إلى الاستدلال ولم يكتف بعدم دليل الامتناع ثم لا يخفى أن دليل المذهب الأول لو تم لدل على جواز الانقلاب في الكل فإخراج البعض بناء على ما ذكر تخصيص الأحكام العقلية بسبب ما يعارضها كما هو دأب أصحاب العلوم الظنية في أحكامها وادعاء التماثل فيما سوى الضروري الذي هو شرط لكمال العقل مستبعد جدا (قوله من حيث إن العبد مكلف به) فيه بحث إذ يقال لا تكليف للعارف فلا نسلم إن من عرفه ضرورة فهو مكلف به حتى يلزم قبح التكليف وقد أشرنا في المقصد الرابع في أحكام النظر إلى جوابه فلينظر فيه