البحث الثاني في أن قدرته تعالى تعم سائر الممكنات
أي جميعها (والدليل عليه أن المقتضى للقدرة) هو (الذات) لوجوب استناد صفاته الى ذاته (والمصحح للمقدورية) هو (الإمكان) لأن الوجوب والامتناع الذاتيين يحيلان المقدورية (ونسبة الذات الى جميع الممكنات على السوية واذا ثبتت قدرته على بعضها تثبت على كلها(وهذا) الاستدلال (بناء على ما ذهب إليه أهل الحق من أن المعدوم ليس بشيء وإنما هو نفي محض ولا امتياز فيه) أصلا (ولا تخصيص) قطعا فلا يتصور اختلاف في نسبة الذات الى المعدومات بوجه من الوجوه (خلافا للمعتزلة و) من أن المعدوم (لا مادة له ولا صورة خلافا للحكماء وإلا لم يمتنع اختصاص البعض بمقدوريته) تعالى (دون بعض كما يقوله الخصم) فعلى قاعدة الاعتزال جاز أن تكون خصوصية بعض المعدومات الثابتة المتميزة مانعة من تعلق القدرة به وعلى قانون الحكمة جاز أن تستعد المادة لحدوث ممكن دون آخر وعلى التقديرين لا تكون نسبة الذات الى جميع الممكنات على سواء قيل ولا بد أيضا من تجانس الأجسام لتركبها من الجواهر الفردة المتماثلة الحقيقة ليكون اختصاص بعضها ببعض الأعراض لإرادة الفاعل المختار إذ مع تخالفها جاز أن يكون ذلك الاختصاص لذواتها فلا قدرة على إيجاد بعض آخر منها واعلم أن المخالفين في هذا الأصل اعنى عموم قدرته تعالى الممكنات كلها (وهو أعظم
مع الاتحاد في الحقيقة ولا يخفى بعده (قوله تعم سائر الممكنات أي جميعها) يعنى أن كل موجود سوى صفاته تعالى واقع بقدرته ابتداء بحيث لا مؤثر فيه سواه وإن توقف تأثيره في البعض على شرط كتوقف إيجاده للعرض على إيجاده لمحله لامتناع قيامه بنفسه وسيجي ء في مباحث التوليد أن الاحتياج في الحقيقة للعرض لا أن اللّه سبحانه محتاج في إيجاده الى شي ء فلا محذور (قوله والمصحح للمقدورية هو الإمكان) قد سبق ما فيه في شرح الديباجة فلينظر فيه (قوله وعلى فنون الحكمة جاز أن تستعد الخ) قيل لا شك أن في زمان استعداد المادة لحدوث ممكن يمكن الآخر وإن امتنع شرط ذلك الاستعداد فلا ينافى عموم القدرة بمعنى صحة تعلقها بكل ممكن وأنت خبير بأن الاستعداد المخصوص اذا كان شرطا لحدوث ممكن مخصوص ولم يتحقق ذلك الاستعداد أصلا لم يتأت إيجاد ذلك الممكن قطعا وهو ينافى المقدورية بالمعنى المراد هاهنا وهو تأتى الإيجاد والترك نعم بعد تحقق الاستعداد التام فله الخيار فإن شاء أوجده وإن شاء تركه لا كما زعم الفلاسفة من وجوب الفيض حينئذ فليتأمل (قوله قيل ولا بد أيضا من تجانس الأجسام الخ) فإن قلت لو سلم التجانس فلم لا يجوز أن يكون خصوصية بعض الأجسام مانعة مثل خصوصية بعض المعدومات على قاعدة الاعتزال قلت تلك الخصوصية لا تكون مستندة حينئذ إلا الى القادر المختار فله أن يعدمها ويوجد خصوصية أخرى لا تمانع القدرة اللهم إلا أن يقال الخصوصية اذا كانت