إن كان بقدرة واختيار لزم محذور أن التسلسل في صفاته وحدوثها وإن كان بإيجاب لزم كونه تعالى موجبا بالذات فلا يكون الإيجاب نقصانا فجاز أن يتصف به بالقياس الى بعض مصنوعاته ودعوى أن إيجاب الصفات كمال وإيجاب غيرها نقصان مشكلة
وفيه بحثان*
[البحث] الأول في انه تعالى قادر
أي يصح منه إيجاد العالم وتركه فليس شي ء منهما لازما لذاته بحيث يستحيل انفكاكه عنه والى هذا ذهب الملبون كلهم وأما الفلاسفة فإنهم قالوا إيجاده للعالم على النظام الواقع من لوازم ذاته فيمتنع خلوه عنه فأنكروا القدرة بالمعنى المذكور لاعتقادهم انه نقصان واثبتوا له الإيجاب زعما منهم انه الكمال التام وأما كونه تعالى قادرا بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فهو متفق عليه بين الفريقين إلا أن الحكماء
و صفاته تعالى ليست بحادثة فلا يكون لها فاعل وأنت خبير بأن هذا مشكل جدا فإن مآله الى تعدد الواجب إذ كل موجود لا يخلو من أن يكون وجوده عن ذاته أو عن غيره فاذا انتفى الثاني تعين الأول فيلزم الوجوب ولهذا قال المحقق التفتازانى في شرح المقاصد استناد الصفات عند من يثبتها ليس إلا بطريق الإيجاب وكذا قولهم علة الاحتياج هو الحدوث دون الإمكان ينبغي أن يخص بغير الصفات نعم يرد على هذا انه من قبيل التخصيص في القواعد العقلية كما لا يخفى (قوله ودعوى أن إيجاب الصفات كمال الخ) يمكن أن يقال إيجاب الصفات كمال لأجل أن الخلو عنها نقص بخلاف إيجاب غيرها ودعوى أن إفاضة الوجود على الممكنات وجود كمال فلو لم يلزم ذاته تعالى لجاز انفكاك الكمال عنه وهو نقصان في حيز المنع بل كمال السلطنة يقتضي أن يكون الواجب تعالى قبل كل شي ء من المباينات وبعده كما لا يخفى على العاقل المصنف على أن نفى الإيجاب بالنسبة الى المصنوعات بناء على لزوم قدم ذات ما ممكنة كما علم من قواعد الفلاسفة وقد تقدم حدوث ما سوى اللّه تعالى وصفاته واجتمع أهل الإسلام على كفر القائلين بتعدد الذوات القديمة فتأمل واللّه الهادي (قوله في قدرته تعالى) اعلم أن القدرة صفة تؤثر في المقدور ولها به تعلقان تعلق معنوي لا يترتب عليه وجود المقدور بل يمكن القادر من إيجاده وتركه ولا شك أن هذا التعلق عام لكل ممكن لازم للقدرة قديم بقدمها ونسبته الى الضدين على السواء وتعلق آخر يترتب عليه ذلك وهذا التعلق حادث كما صرح به الشارح في مباحث القدرة وكلام المقاصد يشعر بجواز قدمه على معنى أن القدرة تعلقت في الأزل بوجود المقدور فيما لا يزال وكلام المصنف والشارح أيضا فيما سيأتي يشعر به فإن قلت القول بقدم التعلق التأثيري يفضى الى القول بتوقف صدور خصوصيات الحوادث على شروط أو استعدادات تحصل في المواد والألم يتخلف عن ذلك التعلق فلا يلائم أصول المتكلمين قلت إنما لا يلائمها اذا لم يكف في وقوع المقدور تعلق القدرة في وقت معين فيما لا يزال وحصول ذلك الوقت واللّه أعلم (قوله إلا أن الحكماء ذهبوا) قد سبق منا أن الأستاذ المحقق قال هذا المنقول عنهم كلام لا تحقق له لأن الواقع بالإرادة والاختيار ما يصح وجوده وعدمه بالنظر الى ذات الفاعل فعلى ما ذكروه من لزوم مشية الفعل واستحالة عدمها ليس هناك حقيقة الإرادة والاختيار بل مجرد اللفظ وأيضا