مستبعدا أكثر من استبعاد كونها بروقا لامعة والظاهر أن استمرار المشاهدة إنما يكون في الدار الآخرة واعلم أن تفسير العقل المستفاد بما ذكره ليس بمشهور والمسطور في مشاهير الكتب أن هذه المراتب الأربع تعتبر بالقياس إلى كل نظري على حدة والعقل المستفاد بالنسبة إلى نظري واحد هو أن يصير مشاهدا للقوة العاقلة ولا شبهة في وقوعه في هذه الحياة الدنيا ولا في تقدمه على العقل بالفعل بالمعنى الثاني في الحدوث وإن كان متأخرا عنه في البقاء كما أشرنا إليه في صدر الكتاب ثم إن الكمال من هذه المراتب هو العقل المستفاد وباقي المراتب وسائل إلى ذلك الكمال واستعدادات له متفاوتة فالهيولائى استعداد بعيد وما بالملكة استعداد متوسط وكلاهما وسيلتان إلى تحصيل الكمال ابتداء والعقل بالفعل بالمعنى المشهور استعداد قريب جدا وهو وسيلة إلى استحضار الكمال واسترداده بعد غيبته وزواله فان الإنسان لكونه مملوا بشواغل بدنه لا يتأتى له استبقاء ذلك الكمال بعد حصوله فلا بد له من استعداد يتوصل به إلى استدامته بطريق الاسترجاع ومن ثمة جاز تأخر هذا الاستعداد عن حصول الكمال أولا
العقل مناط التكليف إجماعا) من أهل الملة (وانه) أي لفظ العقل (يطلق على معان) فلذلك اختلف في تفسير العقل الّذي هو مناط التكليف (فقال الشيخ) أبو الحسن الأشعري (هو العلم ببعض الضروريات التي سميناها) أي سمينا العلم بذلك البعض (العقل بالملكة) وإنما أنت البعض نظرا إلى المضاف
[قوله في الدار الآخرة] أي بعد المفارقة عن البدن كما هو مصطلح الحكماء [قوله بالقياس إلى كل نظري] فيجوز اجتماع المراتب الأربع في شخص واحد (قوله ولا شبهة في وقوعه) إنما الشبهة في بقائه لان الاشتغال بتدبير البدن يعوقها لامتناع توجه النفس إلى أمرين في هذه النشأة (قوله العقل مناط التكليف إجماعا) أي لا يصح تكليف بدونه إذ الخطاب لمن لا يفهم شيئا منه جهل يجب تنزيه اللّه تعالى عنه وليس هذا فرع عدم جواز التكليف بما لا يطاق على ما وهم فان هذه المسألة اجماعية ومسألة التكليف اختلافية (قوله هو العلم ببعض الضروريات) وذلك لان أول ما يكلف العبد به معرفة اللّه وهو نظري لا يمكن
(قوله ولا في تقدمه على العقل بالفعل بالمعنى الثاني) قد يناقش في تخصيص التقدم على العقل بالفعل بالمعنى الثاني إذ الظاهر تقدمه على الأول أيضا ويجاب بأن عدم التعرض له إشارة إلى عدم الاعتداد بذلك المعنى لأنه مخالف لما في مشاهير الكتب [قوله وإنما أنت البعض] الأقرب أن يقال التأنيث باعتبار كون العلم ببعض الضروريات مرتبة من