مع كونه مضادا للعلم وغيره من الإدراكات باتفاق العقلاء (وقال الأستاذ أبو إسحاق هي غير مقدورة له) فان النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم وسائر الإدراكات (وتوقف القاضي) أبو بكر وكثير من أصحابنا وقالوا لا قطع بكون تلك الأفعال مكتسبة للنائم ولا بكونها ضرورية له بل كلاهما محتمل بلا ترجيح قال الآمدي قد ندعى الضرورة في العلم بكونها مقدورة للنائم من حيث إنا نفرق بين ارتعاد يده في نومه وبين تقلبه وقبض يده وبسطها كما نفرق بينهما في حق المستيقظ من غير فرق ومن رام التسوية بينهما في النائم لم يبعد عنه التشكيك في تسويتهما في حق اليقظان وهو بعيد عن المعقول قال هذا وإن كان في غاية الوضوح لكن فيه من مذهب القاضي نوع حزازة لان الدليل يوافق مذهبه فانا قطعنا
ما يكون فعله من قصد وإرادة ولا يتصور ذلك بدون العلم فإنما يدل على أن كل قادر لا بد أن يكون عالما مريدا لا إن كل ما يتعلق به القدرة يجب أن يكون معلوما ومرادا ولم يثبت بهذا الدليل عموم علمه تعالي فتدبر فانه قد زل فيه أقدام (قوله غير مقدورة له) بل هو صادرة عن الطبيعة بحسب عروض العوارض وإتقانها اتفاقي مكتسبة والاولى مقدورة لان الكسب تعلق القدرة على وفق الإرادة ولا إرادة فيها ولا شعور (قوله لم يبعد عنه التشكيك في تسويتهما) أي التشكيك في الفرق تجويز ثبوتها فالكلام على حذف وكلمة في للتعليل (قوله لكن فيه من مذهب القاضي) كلمة من ابتدائية متعلقة بحزازة يعني أن ما ذكره يدل على نفى الجزم بكون أفعال النائم ضرورية ولا يدل على نفى التوقف لجواز أن تكون اليقظة شرطا في الاكتساب والنوم مانعا فلا يلزم من الجزم بثبوته في اليقظان الجزم بثبوته في النائم
لان المفروض إن القدرة قائمة بما يقوم به النوم كما يشهد به السياق والمدعى إن الّذي يقوم به القدرة لا بد إن يقوم به العلم بمقدوره الصادر عنه فليتأمل (قوله وقال الأستاذ أبو إسحاق هي غير مقدورة له) أي الأفعال الخارجية غير مقدورة له فلا ينافى ما اختاره بعيد هذا من عدم الفرق بين ادراك النائم وادراك اليقظان فيكون ادراك النائم أيضا مقدورا كادراك اليقظان والأظهر في دفع المنافاة إن مراده من عدم الفرق بينهما عدمه في الإدراكية لا عدمه من جميع الوجوه حتى يشمل المقدورية وعدمها [قوله لم يبعد عنه التشكيك في تسويتهما في حق اليقظان] أراد التسوية في الضرورية وعدم المقدورية كما أنه المراد بالتسوية بينهما في النائم ثم الأظهر إن متعلق التشكيك المدعى بعده عن المعقول هو الفرق بينهما الثابت بلا شبهة لا نفس التسوية لان المتبادر حينئذ إن التسوية ثابتة في نفس الأمر فالتشكيك فيها بعيد عن المعقول وليس المراد هذا فكان مراده التشكيك الثابت في تسويتهما فان التسوية