لأن القادر هو الذي يفعل بالقصد والاختيار ولا يتصور ذلك إلا مع العلم (لا يقال) كون كل قادر عالما ممنوع إذ (قد يصدر عن النائم والغافل) مع كونهما قادرين عند المعتزلة وكثير من الأشاعرة (فعل قليل) متقن (اتفاقا واذا جاز ذلك جاز صدور الكثير عنه لأن حكم الشيء حكم مثله) ولا عبرة بالقلة والكثرة (لأنا نقول لا نسلم الملازمة إذ الضرورة فارقة) فإنها تجوز صدور قليل من المتقن عن قادر غير عالم ولا تجوز صدور كثير عنه وأما من جعل النوم ضدا للقدرة فالسؤال ساقط عنه (وأما الحكماء فلهم) في إثبات علمه تعالى (أيضا مسلكان المسلك الأول انه مجرد) أي ليس جسما ولا جسمانيا كما مر في التنزيهات (وكل مجرد فهو عاقل لجميع الكليات وقد برهنا) فيما سلف (على المقدمتين* المسلك الثاني انه تعالى يعقل ذاته واذا عقل ذاته عقل ما عداه أما الأول فلأن التعقل حضور الماهية المجردة) عن العلائق المادية (للشيء المجرد) القائم بذاته (وهو حاصل في شأنه) لأن ذاته مجردة غير غائبة عن ذاته فيكون عالما بذاته (وأما الثاني فلأنه مبدأ لما سواه) أي لجميعه إما بواسطة أو بدونها (والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول) فيكون عالما بذاته وبجميع معلولاته (ويرد على) المسلك
ما ذكره لم يحتج الى توسيط قوله لم لا يجوز أن يوجب الباري تعالى الخ إذ يكفى أن يقال من كان فعله متقنا إنما يلزم كونه عالما اذا كان صدور الفعل عنه بالقصد والاختيار (قوله لأن القادر هو الذي الخ) فإن قلت هذا البيان يعم القدرة على القليل والكثير فكيف يتوجه السؤال والجواب قلت السؤال المذكور ينبغي أن يحمل على المعارضة وبهذا يظهر توجيهه لكن الحق أن استلزام الإرادة للعلم بالمراد ضروري فلا فرق بين كون المراد قليلا وكثيرا كما أشرنا إليه في عاشر مقاصد القدرة من موقف الأعراض (قوله فعل قليل متقن) أشار الشارح المحقق بزيادة قيد الإتقان الى ورود السؤال على المسلك الأول أيضا (قوله فالسؤال ساقط عنه) أي السؤال بالنائم والغافل لأن الغفلة كالنوم في كونه مضادا للقدرة ويحتمل أن يكون مراده إبقاء السؤال بالغافل (قوله الأول انه مجرد الخ) قيل دليلهم الأول يفيد علمه تعالى بذاته علما حصوليا ودليلهم الثاني يفيد علمه بذاته علما حضوريا (قوله وقد برهن فيما سلف على المقدمتين) أما على الاولى ففي التنزيهات حيث بين أن اللّه تعالى ليس بجسم ولا عرض وأما على الثانية ففي المرصد الأخير من الموقف الرابع في أحكام العقل (قوله واذا عقل ذاته عقل ما عداه الخ) ضم هذه المقدمة مع أن أصل العلم يثبت بالأولى أما لإثبات العلم الحصول أيضا كما ذهب إليه بعضهم أو لإثبات عموم العلم المقتضى لا ثبات أصله على وجه أبلغ (قوله فلأن التعقل حضور الماهية) فيه أن الواجب تعالى ليس له ماهية عند الحكماء كما مر في أول الأمور العامة اللهم إلا أن يراد بالماهية هاهنا ما به الشيء هو من غير اعتبار الكلية واعلم أن قولهم التعقل حضور الماهية محمول على المسامحة عندي والمراد أن التعقل الماهية الحاضرة من حيث هي حاضرة وقد سبق منا تحقيقه في أواخر أول مقاصد العلم من موقف الأعراض فلينظر فيه وعلى هذا ينزل الإيرادات فتأمل