ما يكون شرا محضا أو كان الشر فيه غالبا أو مساويا فليس شي ء منها موجودا ولما كان لقائل أن يقول لما ذا لم يجرد هذا العالم عن الشرور أشار الى جوابه بقوله (ثم لا يمكن تنزيه هذا العالم من الشرور بالكلية) لان ما يمكن براءته عن الشرور كلها فهو القسم الأول وكلا منافي خيرات كثيرة تلزمها شرور قليلة بالقياس إليها وقطع الشيء عما هو لازم له محال وحينئذ (فكان الخير واقعا بالقصد الأول) داخلا في القضاء دخولا أصليا ذاتيا (و) كان (الشر واقعا بالضرورة) وداخلا في القضاء دخولا بالتبع (والعرض و) إنما (التزم فعله) أي فعل ما غلب خيره (لان ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فليس من الحكمة ترك المطر الذي به حياة العالم لئلا ينهدم به دور معدود ولا يتألم) به (سابح في البر أو البحر) يرشدك الى ذلك انه اذا لدغ إصبع إنسان وعلم أنها اذا قطعت سلم باقي البدن والأسرى الفساد إليه فإنه يأمر بقطعها ويريده تبعا لإرادة سلامته من الهلاك فسلامة البدن خير كثير يستلزم شرا قليلا فلا بد للعاقل أن يختاره وإن احترز عنه حتى هلك لم يعد عاقلا فضلا عن أن يعد حكيما فاعلا لما يفعله على ما ينبغي واعلم أن قضاء اللّه عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال وقدره إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها وأما عند
ما ذكره في هذا المحل من الإشارات فسادات إذ لا يلائم أصول أهل السنة (قوله ولما كان لقائل أن يقول الخ) فيه بحث لان هذا الاعتراض لا يتأتى إلا مع القول بان فاعل العالم مختار ومع القول بالحسن والقبح العقليين والفلاسفة لم يقولوا بواحد من هذين الأصلين فلا يتوجه السؤال عليهم حتى يحتاج الى الجواب أما انه لا بد من القول بالاختيار فلانه لو كان موجبا لذاته لكان عدم صدور أفعاله تعالى عنه سبحانه مستحيلا سواء كانت خيرات أو شرورا فلا يتجه أن يقال لم فعل هذا وأما توقفه على القول بالحسن والقبح العقليين فلانه لو لم يقل بذلك كان الكل حسنا صوابا من اللّه تعالى على ما هو قولنا فلا يتأتى أن يقال لا يجوز من اللّه تعالى فعل الشر بل يجب أن يكون فاعلا للخير فأجاب صاحب المحاكمات بمنع أن الفلاسفة لا يقولون بالأصلين أما الثاني فلان الحسن والقبح يطلقان على ملاءمة الطبع ومنافرته وعلى كون الشيء صفة كمال أو صفة نقصان وعلى كون الفعل موجبا للثواب والعقاب والمدح والذم ولا نزاع في الأولين إنما النزاع في المعنى الأخير وأما الأول فلما مر في بحث القدرة من قولهم بالاختيار فيتجه أن يقال إن اللّه تعالى كامل بالذات خير بالذات فكيف وجد منه الشر والنقصان ويحتاج الى الجواب المذكور هذا وأنت قد تحققت في أول بحث القدرة أن قولهم بالقدرة كلام لا تحقيق له وبذلك يظهر ضعف جوابه واللّه الهادي (قوله هو إرادته الأزلية) قيل القضاء في اللغة عبارة عن الفعل مع الإتقان كما دل عليه كلام صاحب الصحاح والإتقان تطبيقه على ما يقتضيه بالحكمة وتعرية له عن مظان الخلل ولهذا وجب الرضاء بالقضاء فالقول بأنه عبارة عن الإرادة المذكورة يحتاج الى بيان يدل على وضعه لذلك لغة أو عرفا أو اصطلاحا إذ الأصل خلاف الاشتراك والنقل (قوله وقدره إيجاده إياها الخ) قيل لم يعتبر الإيجاد في وضعه اللغوي