عادته بخلق العلم بالصدق عقيبه) أي عقيب ظهور المعجزة (فإن إظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكنا عقلا فمعلوم انتفاؤه عادة) فلا تكون دلالته عقلية لتخلف الصدق عنه في الكاذب بل عادية (كسائر العاديات لأن من قال أنا نبي ثم نتق الجبل وأوقفه على رءوسهم وقال إن كذبتموني وقع عليكم وإن صدقتموني الصرف عنكم فكلما هموا بتصديقه بعد عنهم واذا هموا بتكذيبه قرب منهم علم بالضرورة أنه صادق في دعواه والعادة قاضية بامتناع ذلك من الكاذب) مع كونه ممكنا عنه إمكانا عقليا لشمول قدرته تعالى للمسكنات باسرها (وقد ضربوا لهذا مثلا قالوا اذا ادعى الرجل بمشهد الجم الغفير انى رسول هذا الملك إليكم ثم قال للملك إن كنت صادقا فخالف عادتك وقم من الموضع المعتاد لك من السرير واقعد بمكان لا تعتاده ففعل كان ذلك نازلا منزلة التصديق بصريح مقاله ولم يشك أحد في صدقه بقرينة الحال وليس هذا) الذي ذكرناه (من باب قياس الغائب على الشاهد) حتى يتجه عليه أن الشاهد تعلل أفعاله بالأغراض لأنه يراعي المصالح ويدرأ المفاسد بخلاف الغائب إذ لا يبالى بالمصلحة والمفسدة فلا يصح القياس (بل ندعي في إفادته العلم الضرورة العادية) أي ندعى أن ظهور المعجز يفيد علما بالصدق وإن كونه مفيدا له معلوم لنا بالضرورة العادية (ونذكر هذا) المثال (للتفهيم وزيادة التقرير وقالت المعتزلة خلق المعجز على يد الكاذب) مقدور للّه تعالى لعموم قدرته لكنه (ممتنع) وقوعه في حكمته (لأن فيه إيهام صدقه وهو إضلال قبيح من اللّه) فيمتنع صدوره عنه كسائر القبائح (قال الشيخ وبعض أصحابنا انه) أي خلق المعجزة على يد الكاذب (غير مقدور) في نفسه (لأن لها) أي للمعجزة (دلالة على الصدق قطعا) أي دلالة قطعية يمتنع التخلف فيها (فلا بد لها من وجه دلالة) إذ به يتميز الدليل الصحيح عن غيره (وإن لم نعلمه) أي ذلك الوجه (بعينه فإن دل) المعجز المخلوق على يد الكاذب (على الصدق كان الكاذب صادقا) وهو محال (وإلا انفك) المعجز (عما يلزمه) من دلالته القطعية على مدلوله وهو أيضا محال (وقال القاضي اقتران ظهور المعجزة
(قوله فمعلوم انتفاؤه عادة الخ) قيل فيه بحث لأن معلومية انتفائه عادة لا ينافى أن يكون بقياس خفى جبلي مجبول في الطبائع وهو قبح تصديق الكاذب من اللّه تعالى وانه لا يفعل ذلك لحصول الإضلال الصريح ثم إن كون الكذب صفة نقص وقبيحا والصدق صفة كمال وحسنا مما لا ينبغي أن ينكر وإن أنكر بمعنى ترتب الثواب والمدح والعقاب والذم فليتأمل واعلم انهم جوزوا ظهور الخوارق على يد المتأله ابتلاء دون المتنبي فإن الأدلة القطعية قائمة على كذبه بخلاف مدعى النبوّة ويظهر منه انهم يجوّزون ظهوره على يد من يدعى النبوّة بعد خاتم الأنبياء عليه