فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 1015

وَذَهَبَ الْعَيْنِيُّ [1] -فِي مَوْضِعٍ آخَرَ- إِلَى أَنَّ ثُبُوتَ الأَلِفِ فِي: (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) مُخَالِفٌ لِلصَّوَابِ.

وَذَهَبَ الْعُكْبَرِيُّ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ رَأَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثُبُوتُ الأَلِفِ فِي (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، فَقَالَ: «الْجَيِّدُ"بِمَ أَهْلَلْتَ؟"بِغَيْرِ أَلِفٍ؛ لأَنَّ"مَا"الَّتِي لِلاسْتِفْهَامِ تُحْذَفُ أَلِفُهَا مَعَ حُرُوفِ الْجَرِّ؛ لِيُفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ"مَا"الْخَبَرِيَّةِ، أَيِ: الَّتِي بِمَعْنَى"الَّذِي"... وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ"مَا"بِالأَلِفِ، وَلَعَلَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ الْمُحَدِّثِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ يُشْبِهُهُ» [2] .

وَمِنَ الْمُخَالَفَةِ -أَيْضًا- فِي هَذَا الْمَطْلَبِ حَذْفُ الأَلِفِ مِنْ"مَا"الاسْتِفْهَامِيَّةِ غَيْرِ الْمَجْرُورَةِ؛ لأَنَّ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْحَذْفِ أَنْ تَكُونَ"مَا"مَجْرُورَةً، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى -فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ- لِلرَّحِمِ: «مَهْ؟» ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «قُلْتُ: أَصْلُ (مَهْ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (مَا) الاسْتِفْهَامِيَّةِ، حُذِفَتْ أَلِفُهَا، وَوُقِفَ عَلَيْهَا بِهَاءِ السَّكْتِ، وَالشَّايِعُ أَنَّهُ لاَ يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا إِلاَّ وَهِيَ مَجْرُورَةٌ.

وَفِي اسْتِعْمَالِهَا هَكَذَا غَيْرَ مَجْرُورَةٍ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ [3] :"قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، وَلأَهْلِهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ كَضِجِيجِ الْحَجِيجِ، أَهَلُّوا بِالإِحْرَامِ، فَقُلْتُ: مَهْ؟ فَقِيلَ لِي: هَلَكَ رَسُولُ اللهِ (".

وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْحَجَّاجِ لِلَيْلَى الأَخْيَلِيَةِ [4] :"ثُمَّ مَهْ؟ قَالَتْ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ".

وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: أَنَّ بَعْضَ كِنَانَةَ يَقُولُونَ:"مَعِنْدَكَ؟ وَمَصَنَعْتَ؟"، فَيَحْذِفُونَ الأَلِفَ [مِنْ] دُونِ جَرٍّ، وَلاَ يَصِلُونَ الْمِيمَ بِهَاءِ السَّكْتِ؛ لِعَدَمِ الْوَقْفِ.

وَفِي الاقْتِصَارِ عَلَى الْمِيمِ فِي: مَعِنْدَكَ؟ وَمَصَنَعْتَ؟ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَالْحَجَّاجِ هَاءُ سَكْتٍ، لاَ بَدَلٌ مِنَ الأَلِفِ، كَمَا زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ [5] ؛ لأَنَّهَا عُومِلَتْ مُعَامَلَةَ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَجْرُورَةِ، فِي السُّقُوطِ وَصْلًا وَالثُّبُوتِ قَطْعًا.

(1) عمدة القاري 9/ 187.

(2) إتحاف الحثيث، ص:165. وينظر: عقود الزبرجد 1/ 107، 108، 2/ 138 - 140.

(3) أبو ذؤيب هو: خويلد بن خالد، الهذلي، عاش في الجاهلية والإسلام، وكان راوية لساعدة بن جؤيّة الهذلي، مات في مصر، بعد رجوعه مع عبد الله بن الزبير من غزوات المغرب سنة (28 هـ) . ينظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 123، والشعر والشعراء 2/ 653.

(4) ليلى الأخيلية هي: بنت عبد الله بن معاذ بن شداد بن كعب، شاعرة في زمن عبد الملك بن مروان، وكان توبة بن الحمير يهواها. ينظر: الوافي في الوفيات 1/ 1477.

(5) ينظر: الكشاف 4/ 684.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت