فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 1015

فَالْمُبَرِّدُ -مَثَلًا- يَرَى فِي زِيَادَةِ"مِنْ"رَأْيًا غَيْرَ وَاضِحٍ:

-أَحْيَانًا يُنْكِرُ الْقَوْلَ بِزِيَادَتِهَا، فَيَقُولُ: «وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهَا تَكُونُ زَائِدَةً فَلَسْتُ أَرَى هَذَا كَمَا قَالُوا؛ وَذَاكَ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ إِذَا وَقَعَتْ وَقَعَ مَعَهَا مَعْنًى، فَإِنَّمَا حَدَثَتْ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"مَا جَاءَنِي أَحَدٌ"، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا؛ وَذَلِكَ لأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَدْخُلْ جَازَ أَنْ يَقَعَ النَّفْيُ بِوَاحِدٍ [مِنْ] دُونِ سَائِرِ جِنْسِهِ، تَقُولُ:"مَا جَاءَنِي رَجُلٌ"، وَ"مَا جَاءَنِي عَبْدُ اللهِ"، إِنَّمَا نَفَيْتَ مَجِيءَ وَاحِدٍ، وَإِذَا قُلْتَ: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، فَقَدْ نَفَيْتَ الْجِنْسَ كُلَّهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ:"مَا جَاءَنِي مِنْ عَبْدِ اللهِ"، لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّ عَبْدَ اللهِ مَعْرِفَةٌ، فَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ مَوْضِعُ وَاحِدٍ» [1] .

-وَأَحْيَانًا أُخْرَى يُصَرِّحُ الْمُبَرِّدُ بِزِيَادَةِ"مِنْ"، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَأَمَّا الزَّائِدَةُ الَّتِي دُخُولُهَا فِي الْكَلاَمِ كَسُقُوطِهَا فَقَوْلُكَ:"مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ"، وَمَا كَلَّمْتُ مِنْ أَحَدٍ، وَكَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [2] إِنَّمَا هُوَ"خَيْرٌ"، وَلَكِنَّهَا تَوْكِيدٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الوُدِّ لَمَّا اسْتَثَبَّتِهْ ***وَمَا إِنْ جَزَاكِ الضِّعْفَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلِي [3]

فَهَذَا مَوْضِعُ زِيَادَتِهَا، إِلاَّ أَنَّكَ دَلَّلْتَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لِلنَّكِرَاتِ مِنْ دُونِ الْمَعَارِفِ.

أَلاَ تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ:"مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ"، وَلاَ تَقُولُ:"مَا جَاءَنِي مِنْ زَيْدٍ"؛ لأَنَّ"رَجُلًا"فِي مَوْضِعِ الْجَمِيعِ، وَلاَ يَقَعُ الْمَعْرُوفُ هَذَا الْمَوْقِعَ؛ لأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ.

أَلاَ تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَلاَ تَقُولُ:"عِشْرُونَ الدِّرْهَمِ"؛ لأَنَّ"دِرْهَمًا"فِي مَوْضِعِ جَمِيعٍ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهِ مِنَ الدِّرْهَمِ.

وَكَذَلِكَ"هَذَا أَوَّلُ رَجُلٍ جَاءَنِي"، إِنَّمَا هُوَ أَوَّلُ الرِّجَالِ إِذَا عُدُّوا رَجُلًا رَجُلًا، وَ"كُلُّ رَجُلٍ يَأْتِيكَ فَلَهُ دِرْهَمٌ"، فَهَذَا مَوْضِعُ هَذَا» [4] .

وَيُمْكِنُ الْجَمَعُ بَيْنَ قَوْلَيِ الْمُبَرِّدِ بِأَنَّهُ يُثْبِتُ زِيَادَةَ"مِنْ"فِي اللَّفْظِ، مِنْ دُونِ الْمَعْنَى، فَهِيَ فِي نَظَرِهِ لَيْسَتْ زَاِئدَةً فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا جَاءَتْ لتَوْكِيدِ الْكَلاَمِ وَتَوْطِيدِهِ.

(1) المقتضب 1/ 45. وينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:222، 221.

(2) سورة البقرة، من الآية: 105. وينظر إعراب الآية في: البحر المحيط 1/ 545.

(3) البيت من الطويل، لأي ذؤيب الهذلي في: ديوان الهذليين 1/ 34، وهو بلا نسبة في: المقتضب 4/ 137.

(4) المقتضب 4/ 137، 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت