وَكَذَا فَقَدِ اسْتَغْرَبَ ابْنُ السَّرَّاجِ أَنْ تَكُونَ"مِنْ"خَافِضَةً عَامِلَةً، ثُمَّ يُحْكَمُ بِزِيَادَتِهَا، فَقَالَ: «وَحَقُّ الْمُلْغَى -عِنْدِي- أَنْ لاَ يَكُونَ عَامِلًا وَلاَ مَعْمُولًا فِيهِ، حَتَّى يُلْغَى مِنَ الْجَمِيعِ، وَأَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ كَخُرُوجِهِ، لاَ يُحْدِثُ مَعْنًى غَيْرَ التَّوْكِيدِ، وَهَذِهِ الْحُرُوفُ [1] الَّتِي خُفِضَ بِهَا قَدْ دَخَلَتْ لِمَعَانٍ غَيْرِ التَّوْكِيدٍ» [2] .
وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الإِلْغَاءَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ [3] :
1 -إِلْغَاءٌ فِي الْمَعْنَى فَقَطْ، نَحْوُ: حُرُوفِ الْجَرِّ، كَقَوْلِكَ:"مَا زَيْدٌ بِقَائِمٍ".
2 -إِلْغَاءٌ فِي الإِعْمَالِ فَقَطْ، نَحْوُ:"زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ ظَنَنْتُ".
3 -إِلْغَاءٌ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ مَعًا، نَحْوُ:"مَا"، وَ"لاَ"، وَ"أَنْ"، عِنْدَ زِيَادَتِهَا.
فَالْحُكْمُ بِزِيَادَةِ"مِنْ"فِي الْمَعْنَى لاَ يَمْنَعُ مِنْ عَمَلِهَا فِي اللَّفْظِ، كَنَظَائِرِهَا الْجَارَّةِ فِي اللَّفْظِ، الزَّائِدَةِ فِي الْمَعْنَى.
وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَالأَخْفَشُ [4] إِلَى أَنَّ"مِنْ"تُزَادُ فِي الإِيجَابِ، وَتَجُرُّ الْمَعْرِفَةَ، قَالَ الرَّضِيُّ: «وَغَيْرُ الأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ شَرَطَ فِيهَا شَرْطَيْنِ: كَوْنُهَا فِي غَيْرِ الْمُوجَبِ، وَدُخُولُهَا فِي النِّكِرَاتِ، وَالْكُوفِيُّونَ وَالأَخْفَشُ لاَ يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ؛ اسْتِدْلاَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [5] ، فَـ"مِنْ"فِي حَيِّزِ الإِيجَابِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ.
وَهِيَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبَعِّضَةٌ، أَيْ: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ شَيْئًا.
(1) أي: الباء في قولهم:"ليس زيدٌ بقائم"و"من"في قولهم:"ما مِنْ رجل في الدار"، و"لا"في: ما زيدٌ ولا عمرو"."
(2) الأصول في النحو/ لابن السراج 2/ 259. وينظر: شرح المفصل 5/ 77.
وقال ابن السراج -أيضا- في (الأصول في النحو 1/ 410) : «وتكون زائدة، قد دخلت على ما هو مستغن من الكلام، إلا أنها تجر؛ لأنها حرف إضافة، نحو قولهم:"ما جاءني من أحد"و"ما كلمت من أحد"، وكقوله عز وجل: {? ? ? ? ? ? ?} [سورة البقرة، من الآية:105] ، إنما هو: خير، ولكنها توكيد ... » .
(3) ينظر: شرح المفصل 5/ 77.
(4) ينظر: معاني القرآن/ للأخفش 1/ 99، و 2/ 274، وشرح التسهيل 3/ 138، والضرائر اللغوية في الشعر الجاهلي، ص:175.
(5) سورة نوح، من الآية: 4.