وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (ثَوْبِيَ حَجَرُ) شَاذٌّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَقِيَاسٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
وَقَدْ أَخَذَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ بِرَأْيِ الْكُوفِيِّينَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ [1] هُوَ مُنَادَى نَكِرَةٍ مَقْصُودَةٍ، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، كَمَا يُحْذَفُ مِنَ الأَعْلاَمِ، أَيْ: يَا حَجَرُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الأَخِيرَةِ مِنْ (ثَوْبِيَ) ، أَيْ: أَعْطِنِي ثَوْبِيَ، أَوْ: رُدَّ ثَوْبِيَ، وَ (حَجَرُ) بِالضَّمِ، عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَتَقَدَّمَ فِي"الْغُسْلِ"بِلَفْظِ (ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ) » [2] .
وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الآخَرِينَ بِرَأْيِ الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «وَقَوْلُ مُوسَى (:(ثَوْبِيَ حَجَرُ! ثَوْبِيَ حَجَرُ!) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وَ"حَجَرُ"مُنَادًى مُفْرَدٌ، مَحْذُوفُ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ: أَعْطِنِي ثَوْبِي يَا حَجَرُ، أَوِ: اتْرُكْ ثَوْبِي يَا حَجَرُ، فَحُذِفَ الْفِعْلُ؛ لِدِلاَلَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ، وَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ هُنَا؛ اسْتِعْجَالًا لِلْمُنَادَى، وَقَدْ جَاءَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ حَذْفُ حَرْفِ النِّدَاءِ مَعَ النَّكِرَةِ، كَمَا قَالُوا:"أَطْرِقْ كَرَا"، وَ:"افْتَدِ مَخْنُوقُ"، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا نَادَى مُوسَى(الْحَجَرَ نِدَاءَ مَنْ يَعْقِلُ؛ لأَنَّهُ صَدَرَ عَنِ الْحَجَرِ فِعْلُ مَنْ يَعْقِلُ» [3] .
وَقَالَ -أَيْضًا- عَنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى لِحَدِيثٍ آخَرَ: «وَقَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ: كَافِرٌ)، صَوَابُ تَقْيِيدِهِ:"كَافِرٌ"بِالتَّنْوِينِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَنْتَ كَافِرٌ، أَوْ هُوَ كَافِرٌ، وَرُبَّمَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ:"كَافِرُ"، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَجَعَلَهُ مُنَادًى مُفْرَدًا، مَحْذُوفَ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ إِذْ لاَ يُحْذَفُ حَرْفُ النِّدَاءِ مَعَ النَّكِرَاتِ، وَلاَ مَعَ الْمُبْهَمَاتِ، إِلاَّّ فِيمَا جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِمْ:"أَطْرِقْ كَرَا"، وَ"افْتَدِ مَخْنُوقُ"، وَفِي حَدِيثِ مُوسَى:"ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ"، وَهُوَ قَلِيلٌ» [4] .
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: «قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ) ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: -بِضَمِّ الرَّاءِ- عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ عَلَى الشَّاذِّ، كَقَوْلِهِ:"أَطْرِقْ كَرَا"، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يُحْذَفَ مَعَ النَّكِرَاتِ، وَلاَ مَعَ الْمُبْهَمِ. انْتَهَى» [5] .
(1) ينظر: إكمال الإكمال 6/ 163.
(2) فتح الباري 6/ 504.
(3) المفهم 6/ 190.
(4) السابق 1/ 252.
(5) عقود الزبرجد 2/ 379.