فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 1015

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (ثَوْبِيَ حَجَرُ) شَاذٌّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَقِيَاسٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.

وَقَدْ أَخَذَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ بِرَأْيِ الْكُوفِيِّينَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ [1] هُوَ مُنَادَى نَكِرَةٍ مَقْصُودَةٍ، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، كَمَا يُحْذَفُ مِنَ الأَعْلاَمِ، أَيْ: يَا حَجَرُ.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الأَخِيرَةِ مِنْ (ثَوْبِيَ) ، أَيْ: أَعْطِنِي ثَوْبِيَ، أَوْ: رُدَّ ثَوْبِيَ، وَ (حَجَرُ) بِالضَّمِ، عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَتَقَدَّمَ فِي"الْغُسْلِ"بِلَفْظِ (ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ) » [2] .

وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الآخَرِينَ بِرَأْيِ الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «وَقَوْلُ مُوسَى (:(ثَوْبِيَ حَجَرُ! ثَوْبِيَ حَجَرُ!) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وَ"حَجَرُ"مُنَادًى مُفْرَدٌ، مَحْذُوفُ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ: أَعْطِنِي ثَوْبِي يَا حَجَرُ، أَوِ: اتْرُكْ ثَوْبِي يَا حَجَرُ، فَحُذِفَ الْفِعْلُ؛ لِدِلاَلَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ، وَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ هُنَا؛ اسْتِعْجَالًا لِلْمُنَادَى، وَقَدْ جَاءَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ حَذْفُ حَرْفِ النِّدَاءِ مَعَ النَّكِرَةِ، كَمَا قَالُوا:"أَطْرِقْ كَرَا"، وَ:"افْتَدِ مَخْنُوقُ"، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا نَادَى مُوسَى(الْحَجَرَ نِدَاءَ مَنْ يَعْقِلُ؛ لأَنَّهُ صَدَرَ عَنِ الْحَجَرِ فِعْلُ مَنْ يَعْقِلُ» [3] .

وَقَالَ -أَيْضًا- عَنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى لِحَدِيثٍ آخَرَ: «وَقَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ: كَافِرٌ)، صَوَابُ تَقْيِيدِهِ:"كَافِرٌ"بِالتَّنْوِينِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَنْتَ كَافِرٌ، أَوْ هُوَ كَافِرٌ، وَرُبَّمَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ:"كَافِرُ"، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَجَعَلَهُ مُنَادًى مُفْرَدًا، مَحْذُوفَ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ إِذْ لاَ يُحْذَفُ حَرْفُ النِّدَاءِ مَعَ النَّكِرَاتِ، وَلاَ مَعَ الْمُبْهَمَاتِ، إِلاَّّ فِيمَا جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِمْ:"أَطْرِقْ كَرَا"، وَ"افْتَدِ مَخْنُوقُ"، وَفِي حَدِيثِ مُوسَى:"ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ"، وَهُوَ قَلِيلٌ» [4] .

وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: «قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ) ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: -بِضَمِّ الرَّاءِ- عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ عَلَى الشَّاذِّ، كَقَوْلِهِ:"أَطْرِقْ كَرَا"، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يُحْذَفَ مَعَ النَّكِرَاتِ، وَلاَ مَعَ الْمُبْهَمِ. انْتَهَى» [5] .

(1) ينظر: إكمال الإكمال 6/ 163.

(2) فتح الباري 6/ 504.

(3) المفهم 6/ 190.

(4) السابق 1/ 252.

(5) عقود الزبرجد 2/ 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت