فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 1015

بَلْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَجِيءَ"مِنْ"فِي ابْتِدَاءِ غَايَةِ الزَّمَانِ غَلَطٌ مِنْ أَغْلاَطِ الْعَامَّةِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (تَقْوِيمِ اللِّسَانِ) [1] : «وَتَقُولُ:"مَا رَأَيْتُهُ مُذْ أَمْسِ"، وَ"مُنْذُ أَمْسِ"، وَ"مَا رَأَيْتُهُ مُنْذُ أَيَّامٍ"، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ:"مَا رَأَيْتُهُ مِنْ أَمْسِ، وَمِنْ أَيَّامٍ"، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لأَنَّ"مِنْ"تَخْتَصُّ الْمَكَانَ، وَ"مُذْ وَمُنْذُ"تَخْتَصَّانِ الزَّمَانَ، فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [2] فَالْجَوَابُ: أَنَّهَا بِمَعْنَى"فِي"؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ"مِنْ"الَّتِي لاِبْتِدَاءِ الْغَايَةِ لأَوْقَعَ النِّدَاءَ مِنْ بُكْرَةٍ.

فَإِنِ اعْتَرَضَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( } [3] فَالْجَوَابُ: أَنَّ تَقْدِيرَهُ: مِنْ تَأْسِيسِ أَوَّلِ يَوْمٍ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:

لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الْحِجْرِ *** أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ شَهْرِ [4]

أَيْ: مِنْ مَرِّ حِجَجٍ».

وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ وَالأَخْفَشُ وَالْمُبَرِّدُ وابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ وَالزَّجَّاجُ [5] ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ"مِنْ"تَكُونُ ابْتَدَاءَ كُلِّ غَايَةٍ: مَكَانِيَّةٍ أَوْ زَمَانِيَّةٍ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الأَصْلُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ"الْغَايَةِ"، قَالَ ابْنُ يَعِيشَ: «وَقَدْ أَجَازَ الْكُوفِيُّونَ اسْتِعْمَالَهَا فِي الزَّمَانِ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدِ، وَابْنِ دُرُسْتُوَيْهِ مِن أَصْحَابِنَا، كَـ"مُذْ"و"مُنْذُ» [6] ."

(1) ص:192، 193.وينظر: درة الغواص، ص:102، وخير الكلام في التقصِّي عن أغلاط العوام، ص:44.

وابن الجوزي هو: أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد، القرشي، التيمي، البغدادي، الحنبلي، عرف جده بالجوزي؛ لجوزة كانت في دراهم، لم يكن بواسط سواها، ولد سنة تسع أو عشر وخمس مئة (509 هـ) أو (510 هـ) ، من مصنفاته"زاد المسير"في التفسير، و"تذكرة الأريب"في اللغة، وغيرهما، توفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة (597 هـ) . ينظر: سير أعلام النبلاء 21/ 365، وطبقات الحفاظ، رقم (1065) ، ص:502، 503.

(2) سورة الجمعة، من الآية:9.

(3) سورة التوبة، من الآية:108.

(4) البيت من الكامل، وهو في: ديوانه، ص:27، وكذا في: الإنصاف 1/ 345، وشرح المفصل 3/ 116، ودرة الغواص، ص:102، وفيه: « ... وقيل: إن"من"في هذا البيت زائدة، على ما رأى الأخفش من زيادتها في الكلام الواجب، فكأنه قال: أقوَيْنَ حججًا ودَهْرًا» ، والمغني 1/ 541، برواية:"مذ حجج ومذ دهر"، والخزانة 9/ 439. وبرواية:"من حجج ومن دهر"في: شرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 663.

(5) ينظر: معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 2/ 530، والإنصاف 1/ 345، واتحاف الحثيث، ص:83، والمغني 1/ 514، وحاشية الدسوقي 2/ 255.

(6) شرح المفصل 4/ 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت