فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 1015

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْمَالَقِيُّ [1] مَذْهَبًا مُتَوَسِّطًا، فَرَأَى أَنَّ"لَيْسَ"لَيْسَتْ مَحْضَةً فِي الْفِعْلِيَّةِ، وَلاَ مَحْضَةً فِي الْحَرْفِيَّةِ، فَهِيَ حَرْفٌ كَـ"مَا"، إِذَا وُجِدَتْ بِخَاصِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ خَوَاصِّ الأَفْعَالِ، كَأَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

يَهْدِي كَتَائِبَ خُضْرًا لَيْسَ يَعْصِمُهَا *** إِلاَّ ابْتِدَارٌ إِلَى مَوْتٍ بِإِلْجَامِ [2]

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا نَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينَ مِنْ أَنَّ"لَيْسَ وَعَسَى"فِعْلاَنِ بِالْمَجَازِ، أَيْ: إِنَّهُمَا مُشَبَّهَانِ بِالْفِعْلِ، وَمَحْكُومٌ لَهُمَا بِحُكْمِهِ، لاَ أَنَّهُمَا فِعْلاَنِ حَقِيقَةً.

ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا النَّقْلِ بِأَنَّ"لَيْسَ وَعَسَى"أَشْبَهُ بِالْحَرْفِ مِنَ الْفِعْلِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا فِي غَيْرِهِمَا. [3]

فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ"لَيْسَ"فِعْلٌ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ الاِسْمَ، وَتَنْصِبُ الْخَبَر، كَبَقِيَّةِ أَخَوَاتِ"كَانَ".

وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَرْفٌ فَلاَ يَلْزَمُ أَنْ تَعْمَلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ، بَلْ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ فِي مَوَاضِعَ، هِيَ:

الْمَوْضِعُ الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ حَرْفًا نَاصِبًا لِلْمُسْتَثْنَى، نَحْوُ:"أَتَوْنِي لَيْسَ زَيْدًا"، بِمَعْنَى: إِلاَّ زَيْدًا.

رَدَّ ابْنُ هِشَامٍ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَقَالَ: «وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا النَّاسِخَةُ، وَأَنَّ اسْمَهَا ضَمِيرٌ رَاجِعٌ لِلْبَعْضِ الْمَفْهُومِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَاسْتِتَارُهُ وَاجِبٌ؛ فَلاَ يَلِيهَا فِي اللَّفْظِ إِلاَّ الْمَنْصُوبُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ سَبَبَ قِرَاءَةِ سِيبَوَيْهِ لِلنَّحْوِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ؛ لِكَتَابَةِ الْحَدِيثِ، فَاسْتَمْلَى مِنْهُ قَوْلَهُ (:"لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِي أَحَدٌ إِلاَّ وَلَوْ شِئْتُ لأَخَذْتُ عَلَيْهِ، لَيْسَ أَبَا الدَّرْدَاءِ" [4] ، فَقَالَ سِيبَوَيْهِ:"لَيْسَ أَبُو الدَّرْدَاءِ"، فَصَاحَ بِهِ حَمَّادٌ: لَحَنْتَ يَا سِيبَوَيْهِ، إِنَّمَا هَذَا اسْتِثْنَاءٌ، فَقَالَ سِيبَوَيْهِ:"وَاللهِ لأَطْلُبَنَّ عِلْمًا لاَ يُلَحِّنُنِي مَعَهُ أَحَدٌ"، ثُمَّ مَضَى، وَلَزِمَ الْخَلِيلَ وَغَيْرَهُ» [5] .

(1) ينظر: رصف المباني، ص:300.

والمالقي هو: أبو جعفر، أحمد بن عبد النور بن رشيد، الأستاذ النحوي، توفي سنة (702 هـ) . ينظر: إشارة التعيين، ص: 38، وبغية الوعاة 1/ 331.

(2) البيت من البسيط، للنابغة، وهو في: ديوانه، ص:106، وبلا نسبة في: رصف المباني، ص:301

(3) ينظر: شرح المقدمة الجزولية الكبير 1/ 216، 217.

(4) الحديث في: فيض القدير 6/ 463.

وأبو الدرداء هو: عويمر بن زيد بن قيس، الأنصاري الخزرجي، توفي سنة اثنتين وثلاثين (32 هـ) . ينظر: مولد العلماء ووفياتهم 1/ 118، وتذكرة الحفاظ 1/ 24، وسير أعلام النبلاء 2/ 335 - 337.

(5) المغني 1/ 481.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت