فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 1015

وَهَكَذَا، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْبَصْرِيِّينَ يَرَوْنَ أَنَّ إِضَافَةَ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ إِضَافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ، أَيْ: لاَ تُفِيدُ تَعْرِيفًا وَلاَ تَخْصِيصًا؛ لِذَا فَإِنَّهَا لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِتَأْوِيلٍ.

وَيَرَى الرَّضِيُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَحْضَةً، تُفِيدُ التَّخْصِيصَ، وَفِي هَذَا يَقُولُ: «وَيَجُوزُ-عِنْدِي- أَنْ تَكُونَ أَمْثِلَةُ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ مِنْ بَابِ"طُورُ سِينَاءَ"، وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْجَامِعُ مَسْجِدًا مَخْصُوصًا، وَالْغَرْبِيُّ جَانِبًا مَخْصُوصًا، وَالأُولَى صَلاَةً مَخْصُوصَةً، وَالْحَمْقَاءُ بَقْلَةً مَخْصُوصَةً، فَهِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ، ثُمَّ يُضَافُ"الْمَسْجِدُ، والْجَانِبُ، وَالصَّلاَةُ، وَالْبَقْلَةُ"، الْمُحْتَمِلَةُ إِلَى هَذِهِ الْمُخْتَصَّةِ؛ لِفَائِدَةِ التَّخْصِيصِ، فَتَكُونُ"صَلاَةُ الأُولَى"، كَـ"صَلاَةِ الْوَتِيرَةِ"، وَ"بَقْلَةُ الْحَمْقَاءِ"كَـ"بَقْلَةِ الْكَزْبَرَةِ" [1] ، وَ"جَانِبُ الْغَرْبِيِّ"كَـ"جَانِبِ الْيَمِينِ"» [2] .

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي قَوْلِهِ: «أَضَافُوا الْمَوْصُوفَ إِلَى الصِّفَةِ، وَإِنِ اتَّحَدَا؛ لأَنَّ الصِّفَةَ تَضَمَّنَتْ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْمَوْصُوفِ، فَصَحَّتِ الإِضَافَةُ لِلْمُغَايَرَةِ.

وَهُنَا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْوَصْفِ، الْمَعْرِفَةِ، اللاَّزِمِ لِلْمَوْصُوفِ، لُزُومَ اللَّقَبِ لِلأَعْلاَمِ، كَمَا لَوْ قَالُوا:"زَيْدُ بَطَّةٍ، أَيْ: صَاحِبُ هَذَا اللَّقَبِ."

وَأَمَّا الْوَصْفُ الَّذِي لاَ يَثْبُتُ، كَالْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ، وَنَحْوِهِ، فَلاَ يُضَافُ الْمَوْصُوفُ إِلَيْهِ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ الْمُخَصَّصَةِ، الَّتِي لأَجْلِهَا أُضِيفَ الاِسْمُ إِلَى اللَّقَبِ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَخَصَّصَ بِهِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: صَاحِبُ هَذَا اللَّقَبِ، وَهَكَذا فِي"مَسْجَدِ الْجَامِعِ"، وَ"صَلاَةِ الأُولَى"، فَإِنَّهُ لَمَّا تَخَصَّصَ"الْجَامِعُ"بِالْمَسْجِِدِ، وَلَزِمَهُ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ، فَلَوْ قُلْتَ:"زَيْدُ الضَّاحِكِ، وَعَمْرُو الْقَائِمِ"لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إِنْ كَانَ لاَزِمًا غَيْرَ مَعْرِفَةٍ، تَقُولُ:"مَسْجِدُ جَامِعٍ، وَصَلاَةُ أُولَى"» [3] .

رَجَّحَ ابْنُ مَالِكٍ فِي كِتَابِهِ (شَوَاهِدُ التَّوْضِيحِ) مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ بِشَرْطِ أَمْنِ اللَّبْسِ، فَقَالَ: «وَفِي إِضَافَةِ (نِسَاءَ) إِلَى (الْمُؤْمِنَاتِ) شَاهِدٌ عَلَى إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، عِنْدَ أَمْنِ اللَّبسِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ: وَكُنَّ النِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ. [4]

وَهُوَ نَظِيرُ:"حَبَّةِ الْحَمْقَاءِ، وَدَارِ الآخِرَةِ، وَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَصَلاَةِ الأُولَى"» [5] .

(1) جاء في كتاب العين (ك ز ب ر) 5/ 428: «الكُزْبَرَة: لغة في الْكُسْبَرَة: نبات الْجُلْجُلاَنِ إذا كان رطْبًا» .

(2) شرح الكافية 2/ 274، 275.

(3) بدائع الفوائد 1/ 14. وينظر: نتائج الفكر، ص:28، 29.

(4) بل الأصل والأقيس: وكانت النساء المؤمنات، كما سيأتي في باب اللهجات.

(5) شواهد التوضيح، ص:193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت