وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الأَحَادِيثَ السَّابِقَةَ حُجَّةٌ لِلْكُوفِيِّينَ، الَّذِينَ يُجِيزُونَ إِضَافَةَ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ إِذَا اخْتَلَفَ اللَّفْظَانِ:
فَالثَّمَانِيَةُ الأُوَّلُ: (مَسْجِدُ الأَقْصَى، صَلاَةُ الْوُسْطَى، صَعْقَةُ الأُولَى، نِسَاءُ الْمُسْلِمَاتِ، يَوْمُ الثَّالِثِ، شَهْرُ الْحَرَامِ، نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ) مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمْ؛ لاِخْتِلاَفِ لَفْظَيِ الْمُتَضَايِفَيْنِ.
وَالْحَدِيثَانِ الأَخِيرَانِ: (وَادِي قَنَاةٍ) ، وَ (جَمْرَةُ ذَاتِ الْعَقَبَةِ) مِنْ إِضَافَةِ الْمُرَادِفِ إِلَى مُرَادِفِهِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمْ؛ لاِخْتِلاَفِ لَفْظَيِ الْمُتَضَايِفَيْنِ.
وَعَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ- فَإِنَّ تِلْكَ الأَحَادِيثَ مِمَّا يَنْبَغِي تَأْوِيلُهَا بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ لأَنَّهَا تُوهِمُ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ فِي رَأْيِهِمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الشُّرَّاحِ الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا، مِنْ دُونِ تَرْجِيحٍ، فَقَدَّرُوا - عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ-: (مَسْجِدَ الأَقْصَى) وَ (مَسْجِدَ الْحَرَامِ) بِـ: مَسْجِدِ الْمَكَانِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَكَانِ الأَقْصَى. [1]
وَ (صَعْقَةَ الأُولَى) بِـ: صَعْقَةِ الدَّارِ الأُولَى. [2]
وَ (صَلاَةَ الْوُسْطَى) بِـ: صَلاَةِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى. [3]
وَ (يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) ، وَ (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) بِـ: يَا نِسَاءَ النُّفُوسِ، أَوِ الأَنْفُسِ، أَوِ الْجَمَاعَاتِ، أَوِ الطَّوَائِفِ الْمُؤْمِنَاتِ أَوِ الْمُسْلِمَاتِ، لاَ الْكَافِرَاتِ، [4] وَبِـ: يَا فَاضِلاَتِ الْمُسْلِمَاتِ كَمَا يُقَالُ: هَؤُلاَءِ رِجَالُ الْقَوْمِ، أَيْ: أَفَاضِلُهُمْ. [5]
وَقِيلَ: يُمْكِنُ تَخْرِيجُ (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) عَلَى تَقْدِيرٍ بَعِيدٍ، وَهُوَ: أَنْ يُجْعَلَ نَعْتًا لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا نِسَاءَ الأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالأَنْفُسِ الرِّجَالُ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مَدْحًا لِلرِّجَالِ، وَهُوَ (إِنَّمَا خَاطَبَ النِّسَاءَ، قَالَ: إِلاَّ أَنْ يُرَادَ بِالأَنْفُسِ: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مَعًا. [6]
(1) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9/ 170، وعمدة القاري 7/ 253، والديباج 3/ 428، وإرشاد الساري 3/ 243.
(2) ينظر: إرشاد الساري 5/ 409.
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 5/ 131، والديباج 2/ 277.
(4) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 5/ 145، وفتح الباري 2/ 66، والديباج 2/ 288، وتنوير الحوالك 1/ 224، وشرح الزرقاني 4/ 541.
(5) ينظر: فتح الباري 5/ 234. وينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 7/ 121، وعمدة القاري 5/ 74، و 13/ 125، 126، والديباج 3/ 106، وإرشاد الساري 2/ 226، و 6/ 4.
(6) ينظر: فتح الباري 5/ 234.