فَوَجْهُ الْقُبْحِ فِي الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ بِلاَ فَاصِلٍ أَنَّ الضَّمِيرَ هُنَا «فَاعِلٌ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْفِعْلِ، فَصَارَ كَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْفِعْلِ؛ لأَنَّ الْفَاعِلَ لاَزِمٌ لِلْفِعْلِ، لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ؛ وَلِذَلِكَ تُغَيِّرُ لَهُ الْفِعْلَ، فَتَقُولُ:"ضَرَبْتُ وَضَرَبْنَا"، فَتُسَكِّنُ الْبَاءَ، وَقَدْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً، وَكَوْنُهُ مُتَّصِلًا غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ يُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شِدَّةِ اتِّصَالِهِ بِالْفِعْلِ، وَرُبَّمَا كَانَ مُسْتَتِرًا مُسْتَكِنًّا فِي الْفِعْلِ، نَحْوُ:"قُمْ"، وَ"اضْرِبْ"، وَ"زَيْدٌ قَامَ، وَضَرَبَ"، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ وَإِذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْهُ وَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ، قَبُحَ الْعَطْفُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْعَطْفِ عَلَى لَفْظِ الْفِعْلِ، وَعَطْفُ الاِسْمِ عَلَى الْفِعْلِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنَّمَا كَانَ مْمْتَنِعًا، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَطْفِ الاِشْتِرَاكُ فِي تَأْثِيرِ الْعَامِلِ، وَعَوَامِلُ الأَفْعَالِ لاَ تَعْمَلُ فِي الأَسْمَاءِ، لاَ بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْفِعْلُ مَبْنِيًّا: إِمَّا مَاضِيًا، وَإِمَّا أَمْرًا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ عَامِلٌ؛ فَلِذَلِكَ قَبُحَ أَنْ تَقُولَ:"قُمْتُ وَزَيْدٌ"، حَتَّى تَقُولَ:"قُمْتُ أَنَا وَزَيْدٌ"فَتُؤَكِّدُهُ، فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ مُنَبِّهًا عَلَى الاِسْمِ، وَيَصِيرُ الْعَطْفُ كَأَنَّهُ عَلَى لَفْظِ الاِسْمِ الْمُؤَكَّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، لَكَانَ تَأْكِيدًا مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لأَنَّ الْمُرَادَ إِشْرَاكُهُ فِي عَمَلِ الْفِعْلِ، لاَ فِي التَّوْكِيدِ» [1] ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ:"مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَوَاءٍ وَالْعَدَمُ" [2] ، فَهُوَ قَبِيحٌ حَتَّى تَقُولَ:"هُوَ وَالْعَدَمُ"؛ لأَنَّ فِي"سَوَاءٍ"اسْمًا مُضْمَرًا مَرْفُوعًا، كَمَا تَقُولُ:"مَرَرْتُ بِقَوْمٍ عَرَبٍ أَجْمَعُونَ"، فَارْتَفَعَ"أَجْمَعُونَ"عَلَى مُضْمَرٍ فِي"عَرَبٍ"بِالنِّيَّةِ، فَهِيَ هُنَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمُضْمَرِ، وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ"أَبِي عَشْرَةَ"، فَإِنْ تَكَلَّمْتَ بِهِ عَلَى قُبْحِهِ، رَفَعْتَ"الْعَدَمُ"، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً رَفَعْتَ"سَوَاءٌ"» [3] .
الْقَوْلُ الثَّانِي، قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ [4] : يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ مُطْلَقًا [5] ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [6] ، قَالَ الْفَرَّاءُ: «وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاسْتَوَى} : اسْتَوَى هُوَ وَجِبْرِيلُ، بِالأُفُقِ الأَعْلَى لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ، وَهُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ الأَعْلَى، فَأَضْمَرَ الاِسْمَ فِي {اسْتَوَى} ، وَرَدَّ عَلَيْهِ {هُوَ} ، وَأَكْثَرُ كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا:"اسْتَوَى هُوَ"
(1) شرح المفصل 2/ 281. وينظر: الإنصاف 2/ 15، والنكت 2/ 280، وشرح الكافية 2/ 356، واللمحة 2/ 703.
(2) ينظر هذا القول -أيضا- في: المقتضب 3/ 248، والكافي في الإفصاح 2/ 374.
(3) الكتاب 2/ 31. وينظر: شرح شذور الذهب / للجوجري 2/ 815.
(4) ينظر: معاني القرآن/ للفراء 3/ 95، وتأثير الكوفيين في نحاة الأندلس، ص:697.
(5) ينظر: الإنصاف 2/ 13.
(6) سورة النجم، الآيتان: 6، 7.