وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَصْرِيُّونَ بِأَنَّ الْبَيْتَيْنِ مِنَ «الشَّاذِّ الَّذِي لاَ يُؤْخَذُ بِهِ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا جَاءَ هَا هُنَا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَالْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عِنْدَنَا جَائِزٌ، فَلاَ يَكُونُ لَكُمْ فِيهِ حُجَّةٌ.
وَتَشْبِيهُهُمْ لَهُ بِالضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ الْمُتَّصِلِ، فَلاَ وَجْهَ لَهُ بِحَالٍ؛ لأَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ الْمُتَّصِلَ، وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ فِي صُورَةِ الاِتِّصَالِ، فَهُوَ فِي النِّيَّةِ فِي تَقْدِيرِ الاِنْفِصَالِ، بِخِلاَفِ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ؛ لأَنَّهُ فِي اللَّفْظِ وَالتَّقْدِيرِ بِصِفَةِ الاِتِّصَالِ، فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ... » [1] .
دَافَعَ ابْنُ مَالِكٍ عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَرَأَى أَنَّهُ لاَ يَمْتَنِعُ الْعَطْفُ بِلاَ فَاصِلٍ؛ لأَنَّهُ كَانَ بِإِمْكَانِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ -فِي الْبَيْتِ الأَوَّلِ- أَنْ يَنْصِبَ"زَهْرًا"مَفْعُولًا مَعَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارٌ غَيْرُ مُضْطَرٍّ. [2]
كَمَا يَرَى أَنَّهُ كَانَ بِإِمْكَانِ جَرِيرٍ -فِي الْبَيْتِ الثَّانِي- أَنْ يَنْصِبَ"أَبًا"عَلَى أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ بِلاَ ضَرُورَةٍ، وَفِي هَذَا يَقُولُ: «وَهَذَا فِعْلُ مُخْتَارٍ غَيْرِ مُضْطَرٍّ؛ لِتَمَكُّنِ الشَّاعِرِ مِنْ نَصْبِ (وَأَبٌ) عَلَى أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ» [3] .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ، ويُضَعِّفُ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ.
وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَالْمُعْرِبِينَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ صِحَّةَ الْعَطْفِ عَلَى ضَمِيرِ الرَّفْعِ الْمُتَّصِلِ، غَيْرَ مَفْصُولٍ بِتَوْكِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِمَّا لاَ يُجِيزُهُ النَّحْوِيُّونَ فِي النَّثْرِ، إِلاَّ عَلَى ضَعْفٍ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ بَابَهُ الشِّعْرُ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ نَثْرًا وَنَظْمًا.
فَمِنَ النَّثْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [4] ، فَإِنَّ وَاوَ الْعَطْفِ
(1) الإنصاف 2/ 15.
(2) ينظر: شرح التسهيل 3/ 374.
(3) شرح الكافية الشافية 3/ 1245، 1246.
(4) سورة الأنعام، من الآية: 148.