رَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَصْرِيُّونَ بِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ حُجَّةً لَهُمْ؛ «لأَنَّ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى (سَبِيلِ اللهِ) لاَ بِالْعَطْفِ عَلَى (بِهِ) ، وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ:"وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَعَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"؛ لأَنَّ إِضَافَةَ الصَّدِّ عَنْهُ أَكْثَرُ فِي الاِسْتِعْمَالِ مِنْ إِضَافَةِ الْكُفْرِ بِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ:"صَدَدْتُهُ عَنِ الْمَسْجِدِ"، وَلاَ يَكَادُونَ يَقُولُونَ:"كَفَرْتُ بِالْمَسْجِدِ"» [2] .
دَافَعَ ابْنُ مَالِكٍ عَنِ الْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ (الْمَسْجِدِ) لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى (سَبِيلِ) ؛ «لاِسْتِلْزَامِهِ الْعَطْفَ عَلَى الْمَصْدَرِ قَبْلَ تَمَامِ صِلَتِهِ؛ لأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى جُزْءِ الصِّلَةِ، دَاخِلٌ فِي الصِّلَةِ، وَتَوَقِّي هَذَا الْمَحْظُورِ حَمَلَ أَبَا عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينَ عَلَى مُوَافَقَةِ يُونُسَ، وَالأَخْفَشِ، وَالْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ» [3] .
وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْكُوفِيُّونَ -أَيْضًا- قِرَاءَةُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ [4] مِنَ السَّبْعَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ} [5] بِجَرِّ (الأَرْحَامِ) عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي (بِهِ) ، قَالَ الْفَرَّاءُ: «وَقَوْلُهُ: {الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} فَنَصَبَ الأَرْحَامَ، يُرِيدُ: وَاتَّقُوا الأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا. قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَيْكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ [6] عَنِ الأَعْمَشِ [7] ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
(1) سورة البقرة، من الآية: 217.
(2) الإنصاف 2/ 10.
(3) شرح التسهيل 3/ 376.
وأبو علي الشلوبين هو: عمر بن محمد، الأزدي، الإشبيلي، الملقب بـ"الشَّلَوْبِينَ"، وهي -في لغة الأندلسيين- بمعنى: الأبيض الأشقر، ولد سنة اثنتين وستين وخمس مئة (562 هـ) بإشبيلية، وله على الجزولية شرحان، عاش ثلاثا وثمانين سنة، توفي سنة خمس وأربعين وست مئة (645 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 2/ 332 - 335، وإشارة التعيين، ص:241، وبغية الوعاة 2/ 224، 225.
(4) حمزة الزيّات هو: حمزة بن حبيب، التيمي الكوفي الزيات، أحد القرّاء السبعة، قرأ على الأعمش، وغيره، توفي سنة (156 هـ) . ينظر: غاية النهاية 1/ 161.
(5) سورة النساء من الآية: 1.
(6) شريك بن عبد الله هو: أبو عبد الله، النخعي، الكوفي، ولد سنة خمس وتسعين (95 هـ) ، وتوفي سنة سبع وسبعين ومئة (177 هـ) . ينظر: مولد العلماء ووفياتهم 1/ 227، وتذكرة الحفاظ 1/ 232، وسير أعلام النبلاء 8/ 200 - 210.
(7) الأعمش هو: ابن مهران، رأى أنس بن مالك وروى عنه، وعن كثير من كبار التابعين، وروى عنه أيوب السختياني، وأبو حنيفة، والأوزاعي وقرأ عليه حمزة الزيات، توفي سنة سبع وأربعين ومئة من الهجرة (147 هـ) . ينظر: طبقات القراء 1/ 83، وتذكرة الحفاظ 1/ 154، وسير أعلام النبلاء 6/ 226، وغاية النهاية 1/ 315.