مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي) قَدْ قَدَّمْنَا لُغَاتِ"الطَّسْتِ"، وَأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ، فَجَاءَ (مُمْتَلِئٍ) عَلَى مَعْنَاهَا، وَهُوَ: الإِنَاءُ، وَ (أَفْرَغَهَا) عَلَى لَفْظِهَا» [1] .
وَقَالُوا عَنِ الْحَدِيثِ «عَيْنًا مَعِينًا» : الْمُرَادُ بِـ"عَيْنًا": مَاءً؛ لِذَا جَاءَ نَعْتُهُ مُذَكَّرًا، وَهُوَ: (مَعِينًا) ، وَإلاَّ فَعَيْنُ الْمَاءِ مُؤَنَّثَةٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (عَيْنًا مَعِينًا) أَيْ: ظَاهِرًا جَارِيًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ [2] : (كَانَ الْمَاءُ ظَاهِرًا) فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: (مَعِينًا) صِفَةُ الْمَاءِ؛ فَلِذَلِكَ ذَكَّرَهُ، وَ (مَعِينٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، إِنْ كَانَ مِنْ"عَانَهُ"، فَهُوَ بِوَزْنِ"مُفْعَلٍ"، وَأَصْلُهُ:"مَعْوُونٌ"، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ"الْمَعْنِ"، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الطَّلَبِ، فَهُوَ بِوَزْنِ"فَعُولٍ"» [3] .
وَذَكَرَ الْعَيْنِيُّ أَوْجُهًا أُخْرَى لِ «عَيْنًا مَعِينًا» فِي قَوْلِهِ: « ... يُقَالُ:"عَيْنٌ مَعِينٌ"، أَيْ: ذَاتُ عَيْنٍ جَارِيَةٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ:"مَعِينَةٌ"، وَالتَّذْكِيرُ: إِمَّا حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ، أَوِ الْوَهْمِ أَنَّهُ"فَعِيلٌ"بِمَعْنَى"مَفْعُولٍ"، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ"ذَاتُ مَعِينٍ"، وَهُوَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ» [4] .
وَقَالُوا عَنِ الْحَدِيثِ: «بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ» : الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: (دَابَّةٍ) : مَرْكُوبٌ؛ لِذَا وَصَفَهُ بِـ"أَبْيَضَ"، وَلَمْ يَقُلْ:"بَيْضَاءَ" [5] ، قَالَ الدَّمَامِينِيُّ: « (بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ) ، وَلَمْ يَقُلْ:"بَيْضَاءَ"؛ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، أَيْ: بِمَرْكُوبٍ، أَوْ بُرَاقٍ» [6] .
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَقَوْلُهُ: (بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ) ذَكَّرَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَرْكُوبًا» [7] .
وَقَالُوا عَنِ الْحَدِيثِ: «صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ» : الصَّفْحَةُ بِمَعْنَى: الْجَانِبِ؛ لِذَا وُصِفَ بِـ (الأَيْمَنِ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «وَأَمَّا (صَفْحَةُ السَّنَامِ) فَهِيَ جَانِبُهُ، وَالصَّفْحَةُ مُؤَنَّثَةٌ، فَقَوْلُهُ: (الأَيْمَنِ)
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 390.
(2) ابن نافع هو: أبو محمد، عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ، روى عن مالك وغيره، وروى عنه قتيبة، وغيره. توفي سنة ست ومئتين من الهجرة (206 هـ) . ينظر: تهذيب التهذيب 2/ 443.
(3) فتح الباري 6/ 463.
(4) عمدة القاري 15/ 253.
(5) ينظر: التنقيح 2/ 711، وعمدة القاري 15/ 126، وإرشاد الساري 7/ 136.
(6) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:936.
(7) فتح الباري 6/ 355.