بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ وَصْفٌ لِمَعْنَى الصَّفْحَةِ، لاَ لِلَفْظِهَا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالصَّفْحَةِ الْجَانِبَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: (جَانِبِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ) » [1] .
وَقَالُوا عَنِ الْحَدِيثِ: «وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ» : الرِّيحُ مِمَّا يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ؛ لِذَا ذُكِّرَ نَعْتُهُ هُنَا (مُنْتِنٌ) [2] ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَتِيقَةٌ جِدًّا، حَتَّى عَفَنَتْ وَأَنْتَنَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الإِسْمَاعِيلِيِّ: (وَلَهَا رِيحٌ مُنْكَرٌ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: الصَّوَابُ (رِيحٌ مُنْتِنَةٌ) ؛ لأَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ، قَالَ: إِلاَّ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحَقِيقِيِّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُذَكَّرِ، وَ (مُنْتِنٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا» [3] .
وَقَدِ اسْتَنْكَرَ الْعَيْنِيُّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الصَّوَابَ:"مُنْتِنَةٌ"؛ لأَنَّهُ يُوحِي بِأَنَّ"مُنْتِنٌ"خَطَأٌ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ [4] .
وَقِيلَ: إِنَّ"مُنْتِنًا"جَاءَ مُذَكَّرًا؛ لأَنَّ الرِّيحَ مُؤَوَّلَةٌ بِالْعَرْفِ (الطِّيبِ) ، فَعُومِلَتْ مُعَامَلَتَهُ [5] .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ -عَنِ الْحَدِيثِ «الْعَشْرَ الأَوْسَطَ» : «قَوْلُهُ: (ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الاِسْتِعْمَالِ تَأْنِيثُ (الْعَشْرِ) ، كَمَا قَالَ فِي أَكْثَرِ الأَحَادِيثِ: (الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ) ، وَتَذْكِيرُهُ -أَيْضًا- لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، بِاعْتِبَارِ (الأَيَّامِ) ، أَوْ بِاعْتِبَارِ (الْوَقْتِ، وَالزَّمَانِ) ، وَيَكْفِي فِي صِحَّتِهَا ثُبُوتُ اسْتِعْمَالِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ (» [6] .
وَقَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « (فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ اللَّيَالِي، وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُوصَفَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ، وَوُصِفَتْ بِالْمُذَكَّرِ عَلَى إِرَادَةِ الْوَقْتِ أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: الثُّلُثُ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَيَالِيَ الْعَشْرِ الَّتِي هِيَ الثُّلُثُ الأَوْسَطُ مِنَ الشَّهْرِ» [7] .
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ -أَيْضًا- بَيَانًا لِهَذَا الإِشْكَالِ، وَالرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ: «قَوْلُهُ: (اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ(الْعَشْرَ الأَوْسَطَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ:
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 8/ 452.
(2) ينظر: إرشاد الساري 9/ 143.
(3) فتح الباري 7/ 456.
(4) ينظر: عمدة القاري 17/ 179، وإرشاد الساري 9/ 143.
(5) ينظر: إرشاد الساري 9/ 143.
(6) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 8/ 302.
(7) إرشاد الساري 2/ 472.