وَنَحْوِ قَوْلِهِ:
اللهُ يَعْلَمُ أَنَّا فِي تَلَفُّتِنَا *** يَوْمَ الْفِرَاقِ إِلَى أَحْبَابِنَا صُوَرُ
وَأَنَّنِي حَيْثُمَا يُدْنِي الْهَوَى بَصَرِي*** مِنْ حَيْثُمَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُورُ [1] » [2] .
وَقَدْ وَجَّهَ الشُّرَّاحُ وَالْمُعْرِبُونَ مَا وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ بِأَوْجُهٍ:
أَوَّلُهَا: حَمْلُ مَعْنًى عَلَى مَعْنًى، أَيْ: إِنَّ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ نَفْيٌ بِمَعْنَى نَهْيٍ؛ لِذَا بَقِيَ حَرْفُ الْعِلَّةِ غَيْرَ مَحْذُوفٍ، وَذَلِكَ -كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ- «أَبْلَغُ فِي النَّهْيِ؛ لأَنَّ خَبَرَ الشَّارِعِ لاَ يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ خِلاَفِهِ، وَالنَّهْيُ قَدْ تَقَعُ مُخَالَفَتُهُ؛ فَكَانَ الْمَعْنَى: عَامِلُوا هَذَا النَّهْيَ مُعَامَلَةَ الْخَبَرِ الْمُتَحَتِّمِ» [3] .
وَمِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي حَمَلُوهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: «وَلاَ يَسُومُ» [4] ، وَ «لاَ يُصَلِّي» [5] ، وَ «لاَ تَصُومُ» [6] ، وَ «لاَ يُشِيرُ» [7] ، وَ «لاَ يُؤْذِينَا» [8] ، وَ «فَلاَ يُؤْذِي» [9] ، وَ «لاَ يَبِيعُ» [10] ، وَ «فَلاَ يَغْشَانَا» [11] .
قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلاَ يُؤْذِيَنَّا) هُوَ بِتَشْدِيدِ نُونِ"يُؤْذِيَنَّا"، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ؛ لأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ خَفَّفَهُ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، مَعَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْيَاءِ الْمُخَفَّفَةِ جَائِزٌ عَلَى إِرَادَةِ الْخَبَرِ ... » [12] .
(1) البيت من البسيط، لابن هرمة في ملحق ديوانه، ص:238، 239، وبلا نسبة في: المسائل الحلبيات، ص:113، من إنشاد الفراء، وبرواية"حَوْثُمَا"بدلا من"حيثما"، وسر صناعة الإعراب 1/ 338، وأسرار العربية، ص:45، والإنصاف 1/ 29، وشرح المفصل 5/ 492،، والممتع في التصريف 1/ 156، والتذييل والتكميل 1/ 182.
(2) شرح المفصل 5/ 491، 492.
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9/ 195.
(4) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9/ 195.
(5) ينظر: عمدة القاري 4/ 65، 66، وإرشاد الساري 2/ 18، ومنحة الباري 2/ 56.
(6) ينظر: فتح الباري 9/ 204، وإرشاد الساري 20/ 184.
(7) ينظر: عمدة القاري 24/ 187، وعقود الزبرجد 2/ 254، وإرشاد الساري 15/ 21.
(8) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 5/ 51.
(9) السابق 2/ 210.
(10) السابق 2/ 210.
(11) ينظر: فتح الباري 2/ 397، وإرشاد الساري 2/ 520.
(12) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 5/ 51.