وَقَالَ -أَيْضًا-: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَلاَ يُؤْذِي جَارَهُ) فَكَذَا وَقَعَ فِي الأُصُولِ"يُؤْذِي"بِالْيَاءِ فِي آخِرِهِ، وَرَوَيْنَا فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ (فَلاَ يُؤْذِ) بِحَذْفِهَا، وَهُمَا صَحِيحَانِ، فَحَذْفُهَا لِلنَّهْيِ، وَإِثْبَاتُهَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ؛ فَيَكُونُ أَبْلَغَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [1] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ (:"لاَ يَبِيعُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ"، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ» [2] .
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ (لاَ تَصُومُ) كَذَا لِلأَكْثَرِ، وَهُوَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ وَالْقُرْطُبِيُّ، فَخَطَّآ رِوَايَةَ الرَّفْعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: (لاَ تَصُومَنَّ) بِزِيَادَةِ نُونِ التَّوْكِيدِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ: (لاَ تَصُمْ) » [3] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: حَمْلُ لَفْظٍ عَلَى لَفْظٍ، كَحَمْلِ أَدَاةٍ جَازِمَةٍ عَلَى غَيْرِ جَازِمَةٍ، مِنْ ذَلِكَ:
1 -تَشْبِيهُ"مَتَى"بِـ"إِذَا"فِي الإِهْمَالِ [4] ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: (مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعْ) [5] ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (مَتَى يَقُومُ) كَذَا وَقَعَ لِلأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ شُبِّهَ"مَتَى"بِـ"إِذَا"فَلَمْ تَجْزِمْ، كَمَا شُبِّهَ"إِذَا"بِـ"مَتَى"فِي قَوْلِهِ:"إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ"فَحُذِفَ النُّونُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَشْمِيهَنِيِّ: (مَتَى مَا يَقُمْ) ، وَلاَ إِشْكَالَ فِيهَا» [6] .
(1) سورة البقرة، من الآية:233.
والقراءة لـ: ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. ينظر: كتاب تحبير التيسير، ص:305، والكتاب الموضح 1/ 328، والاتحاف، ص:204، وبلا نسبة في: مجاز القرآن 1/ 75، ومعاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 1/ 313، والحجة/ لابن خالويه، ص:97.
(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 210.
(3) فتح الباري 9/ 204.
وعبد الرزاق هو: أبو بكر، ابن همام بن نافع الحميدي سمع معمرا وغيره، توفي سنة إحدى عشرة ومئتين (211 هـ) . ينظر: التاريخ الكبير، رقم (1933) 6/ 130، والكنى والأسماء/ للإمام مسلم، رقم (334) 1/ 126.
(4) ينظر: شرح التسهيل 4/ 82، وشواهد التوضيح، ص:18، والتنقيح 1/ 207، ومصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:265، 266.
(5) في البخاري «مَتَى يَقُمْ» ينظر: كتاب الأذان، باب (68) ، ح (713) 1/ 251. وتنظر الروايتان مع التوجيه في: حاشية السندي على سنن النسائي/434، 435.
(6) فتح الباري 2/ 240. وقد روي قوله: (تكبرا) بلفظ: «تُكَبِّرَانِ» ، وبـ: «فَكَبِّرَا» ينظر: إرشاد الساري 8/ 203، ومنحة الباري 7/ 54، ولا إشكال في هاتين الروايتين.