وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (فَلاَ يَغْشَانَا) كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا النَّهْيُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُجْرِي الْمُعْتَلَّ مُجْرَى الصَّحِيحِ، أَوْ أَشْبَعَ الرَّاوِي الْفَتْحَةَ، فَظَنَّ أَنَّهَا أَلِفٌ، وَالْمُرَادُ بِالْغَشَيَانِ: الإِتْيَانُ، أَيْ: فَلاَ يَأْتِينَا» [1] .
وَذَهَبَ الْعَيْنِيُّ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَةً مِنْ دُونِ إِشْبَاعٍ هِي: (فَلاَ يَغْشَنَا) ؛ مِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي (فَلاَ يَغْشَانَا) إِشْبَاعًا، فَقَالَ: «مِنَ الْغَشَيَانِ، وَهُوَ الْمَجِيءُ وَالإِتْيَانُ، أَيْ: فَلاَ يَأْتِنَا، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ الأَلِفَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ:"فَلاَ يَغْشَنَا"، كَمَا هُوَ فِي رِوَايَةٍ كَذَا؛ لأَنَّهُ أَجْرَى الْمُعْتَلَّ مُجْرَى الصَّحِيحِ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا الْعَجَوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ *** وَلاَ تَرَضَّاهَا وَلاَ تُمَلَّقِ [2]
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الأَلِفُ مُوَلَّدَةً مِنْ إِشْبَاعِ الْفَتْحَةِ، بَعْدَ سُقُوطِ الأَلِفِ الأَصْلِيَّةِ بِالْجَزْمِ» [3] .
وَمِمَّا أُوِّلَ عَلَى الإِشْبَاعِ -أَيْضًا- قَوْلُهُ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ ... » ، عَلَى أَنَّ"أَوْ"لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» [4] .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، الَّذِينَ يُحَرِّكُونَ آخِرَ الْمُضَارِعِ الْمَرْفُوعِ الْمُعْتَلِّ الآخِرِ بِحَرَكَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَيَقُولُونَ -مَثَلًا-:"يَأْتِيُ، وَيَغْزُوُ"، فَهَؤُلاَءِ فِي حَالَةِ الْجَزْمِ يَكْتَفُونَ بِحَذْفِ الْحَرَكَةِ فَقَطْ [5] ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (لَمْ أُعَانِيهِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ: (لَمْ أُعَانِيهِ) بِالْيَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا: (لَمْ أُعَانِهِ) بِحَذْفِهَا، وَهُوَ الْفَصِيحُ، وَالأَوَّلُ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ، سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ» [6] .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ ذَلِكَ شَاذٌّ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ عَنِ الْحَدِيثِ (لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ) : «بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ» [7] .
الْوَجْهُ السَّادِسُ: حَالاَتٌ خَاصَّةٌ:
(1) فتح الباري 2/ 397. وينظر: عمدة القاري 6/ 145، وإرشاد الساري 2/ 520.
(2) سبق تخريجه، ص:313 من البحث.
(3) عمدة القاري 6/ 145.
(4) ينظر: إرشاد الساري 5/ 74.
(5) ينظر: الظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، رسالة دكتوراه، بإعداد سيد أحمد علي الصاوي، ص:485.
(6) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 13/ 66.
(7) التنقيح 1/ 139.