وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ الأُولَى، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -عَنْ أَحَدِهَا-: «وَقَوْلُهُ: (لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) كَذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ هُنَا (وَلاَ تُؤْمِنُوا) ، بِإِسْقَاطِ النُّونِ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا، كَمَا قَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ؛ لأَنَّ"لاَ"نَفْيٌ، لاَ نَهْيٌ، فَلَزِمَ إِثْبَاتُهَا» [1] .
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: « (أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا) ، قَالَ السَّفَاقُسِيُّ [2] : صَوَابُهُ"تُغَطُّونَ"؛ لأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَصْلِهِ» [3] .
وَكَذَا قَوْلُ الْعُكْبَرِيِّ عَنْ رِوَايَةِ (وَيَقْطَعُونِي) : «الصَّوَابُ (وَيَقْطَعُونَنِي) بِنُونَيْنِ، أَوْ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ؛ لأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مَرْفُوعٌ، وَعَلاَمَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ، وَالنُّونُ الأُخْرَى نُونُ الْوِقَايَةِ، وَمِمَّا جَاءَ مِنَ الْمُشَدَّدِ قَوْلُهُ: {? ? ?} [4] » [5] .
وَمِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَنْ يَرَوْنَ أَنَّ حَذْفَ النُّونِ مِنَ الْمُضَارِعِ بِلاَ نَاصِبٍ وَلاَ جَازِمٍ خَاصٌّ بِالضَّرُورَةِ، [6] وَيَرُدُّهُ مَا سَبَقَ مِنْ قِرَاءَاتٍ وَأَحَادِيثَ.
وَقَدْ وُجِّهَتْ تِلْكَ الأَحَادِيثُ بِعِدَّةِ أَوْجُهٍ، هِيَ:
1 -أَنَّ هَذَا الْحَذْفَ لِلتَّخْفِيفِ [7] ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَسَبَبُ هَذَا الْحَذْفِ كَرَاهِيَةُ تَفْضِيلِ النَّائِبِ عَلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النُّونَ نَائِبٌ عَنِ الضَّمَّةِ، وَالضَّمَّةُ قَدْ حُذِفَتْ لِمُجَرَّدِ
(1) المفهم 1/ 242.
(2) هو ابن التين، وقد مرت ترجمته، ص:155 من البحث.
(3) التنقيح 2/ 875.
(4) سورة الأنعام، من الآية: 80.
(5) إتحاف الحثيث، ص:202.
(6) ينظر: الضرائر اللغوية في الشعر الجاهلي، ص:244 - 247.
(7) ينظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح 8/ 182، 183، وإكمال الإكمال 1/ 162، وعقود الزبرجد 1/ 197 - 198، و 2/ 300، 417 - 418.