فَالأَصْلُ فِي أَمْرِ الْمُخَاطَبِ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لاَمُ الأَمْرِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ أَمْرِ الْمُخَاطَبِ فِي كَلاَمِهِمْ أُسْقِطَتِ اللاَّمُ مِنْ أَوَّلِهِ، ثُمَّ خَشُوا مِنَ الْتِبَاسِ الأَمْرِ بِالْخَبَرِ فَحَذَفُوا حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ، فَقَالُوا -مَثَلًا-: بِعْ، وَتَقْدِيرُهُ: لِتَبِعْ. [1]
وَيَرَى الزَّجَّاجِيُّ أَنَّ دُخُولَ لاَمِ الأَمْرِ فِي فِعْلِ الْمُخَاطَبِ -عَلَى نُدْرَتِهِ- جَاءَ لِلتَّأْكِيدِ. [2]
وَلَكِنْ مِنَ الْمَلْحُوظِ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ، أَنَّ هَذَا الأَصْلَ أَصْبَحَ مَهْجُورًا، بَلْ قَلِيلَ الاسْتِعْمَالِ؛ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ نُصُوصٍ صَحِيحَةٍ.
وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ الأَصْلِ فِي أَمْرِ الْمُخَاطَبِ أَنْ يَكُونَ لِلْفَرَحِ لاَ لِلْحُزْنِ، قَالَ الطَّيْبِيُّ: «قَوْلُهُ: (لِتَأْخُذُوا) "مُحْ": هَذِهِ اللاَّمُ هِيَ لاَمُ الأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ: خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، وَتَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أَتَيْتُ بِهَا فِي حَجِّتِي مِنَ الأَفْعَالِ، وَالأَقْوَالِ، وَالْهَيْئَاتِ هِيَ أُمُورُ الْحَجِّ، وَهِيَ مَنَاسِكُكُمْ، فَخُذُوهَا عَنِّي، وَاقْبَلُوهَا، وَاحْفَظُوهَا، وَاعْمَلُوا بِهَا، وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ ....
أَقُولُ: أُدْخِلَ اللاَّمُ عَلَى أَمْرِ الْمُخَاطَبِ، كَمَا فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ (: {فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا} -(الْكَشَّافُ) [3] :"فَلْتَفْرَحُوا"بِالتَّاءِ، هُوَ الأَصْلُ وَالْقِيَاسُ. وَقَالَ: إِنَّمَا آثَرَ الْقِرَاءَةَ بِالأَصْلِ؛ لأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الأَمْرِ بِالْفََرَحِ، وَأَشَدُّ تَصْرِيحًا بِهِ؛ إِيذَانًا بِأَنَّ الْفَرَحَ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ بَلِيغُ التَّوْصِيَةِ بِهِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بِقَوْلِهِ:"فَخُذُوهَا عَنِّي، وَاقْبَلُوهَا، وَاحْفَظُوهَا، وَاعْمَلُوا بِهَا، وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ"، قَالَ ابْنُ جِنِّي: أَصْلُ الأَمْرِ أَنْ يَكُونَ بِحَرْفِهِ، وَهُوَ اللاَّمُ، فَأَصْلُ"اضْرِبْ":"لِتَضْرِبْ"، كَمَا هُوَ لِلْغَائِبِ، فَلَمَّا كَثُرَ أَمْرُ الْحَاضِرِ حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وَالَّذِي حَسَّنَ التَّاءَ هَا هُنَا عَلَى الأَصْلِ، أَنَّهُ أَمْرٌ لِلْحَاضِرِينَ بِالْفَرَحِ؛ لأَنَّ النَّفْسَ تَقْبَلُ الْفَرَحَ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى قُوَّةِ الْخِطَابِ، وَلاَ يُقَلْ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ"فَبِذَلِكَ فَلْتَحْزَنُوا"؛ لأَنَّ الْحُزْنَ لاَ تَقْبَلُهُ النَّفْسُ، إِلاَّ أَنْ يُرَادَ بِهَا التَّهَكُّمُ وَالصَّغَارُ» [4] .
(1) ينظر: الفوائد والقواعد، ص:534.
جعل الكوفيون هذا الأصل دليلا لما ذهبوا إليه من أن فعل الأمر مجزوم وليس بمبني. ينظر: أسرار العربية، ص:318.
(2) ينظر: كتاب اللامات/ للزجاجي، ص:88.
(4) شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 5/ 330، 331.