وَفِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: «لِتَأْخُذُوا» وَجْهٌ آخَرُ، هُوَ: أَنْ تَكُونَ اللاَّمُ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ، وَالْمُعَلَّلُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ؛ لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ مِنِّي [1] .
وَكَذَلِكَ فَإِنَّ اتِّصَالَ لاَمِ الأَمْرِ بِفِعْلِ الْمُتَكَلِّمِ أَوِ الْمُتَكَلِّمِينَ، -كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ... {ھ ے} [2] وَفِي قَوْلِهِ: ( «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُم» ) ، وَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَجَدْتُ أَمَنَّ النَّاسِ قَيْسَ بْنَ عَثْعَثٍ *** فَإِيَّاهُ فِيمَا نَالَنِي فَلأَحْمَدِ [3] -
فَهُوَ -أَيْضًا- قَلِيلٌ، [4] لاَ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ؛ لأَنَّ لاَمَ الأَمْرِ تَلْزَمُ فِعْلَ غَيْرِ الْمُخَاطَبِ، وَإِنَّمَا قِلَّتُهُ مِنْ حَيْثُ الاسْتِعْمَالُ؛ لأَنَّ أَمْرَ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ قَلِيلٌ وَغَرِيبٌ، وَلَكِنْ فِيهِ طَرَافَةٌ؛ إِذْ بِهِِ تَحْتِيمٌ وَزِيَادَةُِ اهْتِمَامٍ بِالأَمْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ (قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ) بِلَفْظِ الأَمْرِ، فَمُسْتَحِيلٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ لَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [5] قَالَ الزَّجَّاجُ [6] : لَمَّا أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَحَتَمَ بِهِ حَتْمًا، جَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ الأَمْرِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ حَتْمٌ وَإِيجَابٌ عَلَى الْمَأْمُورِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (لأُصَلِّ لَكُمْ) أَمْرًا لَهُمْ بِالاهْتِمَامِ بِهِ؛ لَكِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ؛ لارْتِبَاطِ فِعْلِهِمْ بِفِعْلِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي *** ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ الثَّمِلِ [7]
وَلاَ يُقَالُ: جَعَلْتُ يَفْعَلُ غَيْرِي كَذَا، إِنَّمَا تَقُولُ: جَعَلْتُ أَفْعَلُ، وَلَكِنَّهُ جَازَ فِي هَذَا الْبَيْتِ؛ لارْتِبَاطِ الثَّانِي بِالأَوَّلِ» [8] .
(1) شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 5/ 331.
(2) سورة العنكبوت، من الآية: 12.
(3) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في: ارتشاف الضرب 4/ 1856.
(4) ينظر: شرح الكافية 4/ 87، والارتشاف 4/ 1856، والمغني 1/ 372، والتصريح على التوضيح 2/ 395.
(5) سورة مريم، من الآية: 75.
(6) معاني القرآن وإعرابه 3/ 343.
(7) سبق تخريجه، ص:176 من البحث.
(8) أمالي السهيلي، ص:94، 95.