قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «وَلَيْسَ ذِكْرُ هَذَا الْبَيْتِ لِلاِسْتِشْهَادِ، بَلْ لِلتَّمْثِيلِ؛ لأَنَّ الْمَعَرِّيَّ لاَ يُحْتَجُّ بِشِعْرِهِ، وَقَدْ لَحَّنَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ حَذْفِ [الْخَبَرِ] بَعْدَ"لَوْلاَ"مُطْلَقًا.
وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى غَيْرِ الْخَبَرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الأَصْلُ:"أَنْ يُمْسِكَهُ"، وَتَكُونُ"أَنْ"وَصِلَتُهَا بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنَ"الْغِمْدِ"، ثُمَّ حُذِفَ"أَنْ"، وَرُفِعَ الْفِعْلُ.
وَأَمَّا تَخْرِيجُ بَعْضِهِمْ لَهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَوْلاَ الْغِمْدُ مَوْجُودٌ مُمْسِكًا لَهُ، فَمَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرَهُ الأَخْفَشُ مِنْ أَنَّهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ الْحَالَ بَعْدَ"لَوْلاَ"، كَمَا يَذْكُرُونَ الْخَبَرَ.
أَمَّا حِكَايَةُ بَعْضِهِمْ:"لَوْلاَ رَأْسُكَ مَدْهُونًا"، فَشَاذَّةٌ، لاَ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا» [1] .
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ النُّحَاةِ [2] ، مِنْهُمُ: ابْنُ الشَّجَرِيِّ [3] ، وَأَبُو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينَ، وَالْبَغْدَادِيُّونَ، وَابْنُ مَالِكٍ [4] ، إِلَى أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَإِ بَعْدَ"لَوْلاَ"لَهُ حَالَتَانِ [5] :
الْحَالَةُ الأُولَى: أَنَّهُ يَجِبُ حَذْفُ خَبَرِ الْمُبْتَدَإِ بَعْدَ"لَوْلاَ"إِذَا كَانَ كَوْنًا مُطْلَقًا، وَجَوَابُهُ سَادٌّ مَسَدَّ الْخَبَرِ؛ لِمَا فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الاِسْتِطَالَةِ الْمُحْوِجَةِ إِلَى الاِخْتِصَارِ [6] ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَإِنَّمَا وَجَبَ حَذْفُ الْخَبَرِ بَعْدَ"لَوْلاَ"الاِمْتِنَاعِيَّةِ؛ لأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِمُقْتَضَى"لَوْلاَ"؛ إِذْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى الاِمْتِنَاعِ لِوُجُودٍ، وَالْمَدْلُولُ عَلَى امْتِنَاعِهِ هُوَ الْجَوَابُ، وَالْمَدْلُولُ عَلَى وُجُودِهِ هُوَ الْمُبْتَدَأُ، فَإِذَا
(1) تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد، ص:209، 210.
(2) ينظر: الجنى الداني، ص:600.
(3) ابن الشجري هو: أبو السعادات، هبة الله بن علي الحسيني، من أئمة اللغة والأدب وأحوال العرب، من كتبه:"الأمالي"، و"الحماسة"، توفي سنة (542 هـ) . ينظر: نزهة الألباء، ص:404، ووفيات الأعيان 6/ 45، وإشارة التعيين، ص:370.
(4) قال ابن مالك في (الألفية، ص:32) :
وَبَعْدَ"لَوْلاَ"غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ *** حَتْمٌ
(5) ينظر: كتاب الجمل/ للزجاجي، ص:311، والأصول في النحو/ لان السراج 1/ 68، وأمالي ابن الشجري 2/ 510، وشرح التسهيل 1/ 276، وشواهد التوضيح، ص:65، والارتشاف 3/ 1089، والمغني 1/ 449، وشرح الأشموني 1/ 216، والتصريح على التوضيح 1/ 224، 225، وظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:372، واختيارات أبي حيّان النحوية في البحر المحيط، ص:50 - 52، والحديث النبوي في النحو العربي/ للدكتور محمود فجال، ص:173.
(6) ينظر: شرح المفصل 5/ 90.