قِيلَ:"لَوْلاَ زَيْدٌ لأَكْرَمْتُ عَمْرًا"، لَمْ يُشَكَّ فِي أَنَّ الْمُرَادَ: وُجُودُ زَيْدٍ مَانِعٌ مِنْ إِكْرَامِ عَمْرٍو؛ فَصَحَّ الْحَذْفُ؛ لِتَعَيُّنِ الْمَحْذُوفِ، وَوَجَبَ لِسَدِّ الْجَوَابِ مَسَدَّهُ، وَحُلُولِهِ مَحَلَّهُ» [1] .
وَمُرَادُ النُّحَاةِ بِالْكَوْنِ: الْعُمُومُ، كَالْوُجُودِ، وَالْحُصُولِ، «وَبِالإِطْلاَقِ: عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْوُجُودِ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ امْتِنَاعُ الْجَوَابِ لِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْمُبْتَدَإِ، فَالْخَبَرُ كَوْنٌ مُطْلَقٌ، نَحْوُ:"لَوْلاَ زَيْدٌ لأَكْرَمْتُكَ"، فَالإِكْرَامُ مُمْتَنِعٌ؛ لِوُجُودِ زَيْدٍ، فَـ"زَيْدٌ"مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا، وَهُوَ كَوْنٌ مُطْلَقٌ، أَيْ: لَوْلاَ زَيْدٌ مَوْجُودٌ» [2] .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ بَعْدَ"لَوْلاَ"كَوْنًا مُقَيَّدًا [3] :
وَمُرَادُهُمْ بِالْكَوْنِ الْمُقَيَّدِ: الْخَاصُّ، الَّذِي لاَ يُعْلَمُ إِلاَّ بِذِكْرِهِ، كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، أَيِ: الْمَعْنَى الزَّائِدَ عَلَى ذِكْرِ الْمُبْتَدَإِ، نَحْوُ:"لَوْلاَ زَيْدٌ سَالَمَنَا مَا سَلِمَ"، وَ «كَمَا إِذَا قِيلَ: هَلْ زَيْدٌ مُحْسِنٌ إِلَيْكَ؟. فَتَقُولُ:"لَوْلاَ زَيْدٌ لَهَلَكْتُ"، تُرِيدُ:"لَوْلاَ إِحْسَانُ زَيْدٍ إِلَيَّ لَهَلَكْتُ"، فَـ"الْهَلاَكُ"مُمْتَنِعٌ لِـ"إِحْسَانِ زَيْدٍ"، فَالْخَبَرُ مُقَيَّدٌ بِـ"الإِحْسَانِ"» [4] .
فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ جَازَ إِثْبَاتُهُ وَحَذْفُهُ، نَحْوُ:"لَوْلاَ أَنْصَارُ زَيْدٍ لَهَلَكَ"، أَيْ: نَصَرُوهُ، وَ:"لَوْلاَ صَاحِبُ عَمْرٍو يُعِينُهُ لَعَجَزَ"، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ [5] قَوْلُ الْمَعَرِّيِّ:
*فَلَوْلاَ الْغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالاَ* [6]
وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَجَبَ إِثْبَاتُهُ، وَعَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ: «لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثُو عَهْدٍ ... » .
وَمِنْ شَوَاهِدِ مَا يَجِبُ فِيهِ ذِكْرُ خَبَرِ الْمُبْتَدَإِ بَعْدَ"لَوْلاَ"؛ لِكَوْنِهِ كَوْنًا مُقَيَّدًا، لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِذِكْرِهِ، قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْلاَ زُهَيْرٌ جَفَانِي كُنْتُ مُنْتَصِرًا *** وَلَمْ أَكُنْ جَانِحًا لِلسِّلْمِ إِنْ جَنَحُوا [7]
الشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ:"لَوْلاَ زُهَيْرٌ جَفَانِي"بِذِكْرِ الْمُبْتَدَإِ وَخَبَرِهِ بَعْدَ"لَوْلاَ".
وَقَوْلِ الآخَرِ:
(1) شرح التسهيل 1/ 276.
(2) التصريح على التوضيح 1/ 224.
(3) ينظر: شواهد التوضيح، ص:67، والكافي في الإفصاح 1/ 445.
(4) التصريح على التوضيح 1/ 224.
(5) ينظر: شواهد التوضيح، ص:67، والارتشاف 3/ 1089، والمغني 1/ 450.
(6) سبق تخريجه، ص: 359 من البحث.
(7) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في: شواهد التوضيح، ص:66.