وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ [1] إِلَى أَنَّ فَاءَ جَوَابِ"أَمَّا"لاَ تُحْذَفُ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ أَصْلًا، وَكُلُّ مَا تُوُهِّمَ فِيهِ الْحَذْفُ، فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ.
وَذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ إِلَى أَنَّ حَذْفَ الْفَاءِ مِنْ جَوَابِ"أَمَّا"جَائِزٌ، وَقَدْ وَرَدَ قَلِيلًا فِي النَّثْرِ [2] ، كَمَا فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَقَدْ خُولِفَتِ الْقَاعِدَةُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ، فَعُلِمَ بِتَحْقِيقٍ عَدَمُ التَّضْيِيقِ، وَإِنَّ مَنْ خَصَّهُ بِالشِّعْرِ، أَوْ بِالصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ مِنَ النَّثْرِ، مُقَصِّرٌ فِي فَتْوَاهُ، عَاجِزٌ عَنْ نُصْرَةِ دَعْوَاهُ» [3] .
وَقَدْ رَجَّحَ الشُّرَّاحُ مَذْهَبَ الْجَوَازِ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ: « (أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) ، (كَأَنِّي) إِلَى آخِرِهِ جَوَابُ (أَمَّا) بِحَذْفِ الْفَاءِ مِنْهُ، فَلُزُومُ ذِكْرِهَا فِيهِ غَالِبٌ، لاَ مُطَّرِدٌ» [4] .
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ: «قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) جَوَابُ (أَمَّا) ، وَالْفَاءُ فِيهِ مَحْذُوفَةٌ، وَالأَصْلُ: فَكَأَنِّي، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى النُّحَاةِ، حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزُوا حَذْفَهَا، كَذَا قَالُوا.
قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ الْفَاءِ مِنَ الرَّاوِي» [5] .
وَعَنِ الْحَدِيثِ الآخَرِ: «وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا .... طَافُوا» يَقُولُ الأَنْصَارِيُّ: « (طَافُوا) جَوَابُ (أَمَّا) فَلاَ فَاءَ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَفِي نُسْخَةٍ: (فَإِنَّمَا طَافُوا) بِزِيَادَةِ الْفَاءِ وَ (إِنَّمَا) » [6] .
وَقَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ -عَنْ قَوْلِ الْبَرَاءِ (: «أَمَّا رَسُولُ اللهِ (لَمْ يُوَلِّ» : « .... حُذِفَ الْفَاءُ مِنْ جَوَابِ"أَمَّا"فِي قَوْلِهِ:(لَمْ يُوَلِّ) ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: هُوَ جَائِزٌ نَظْمًا وَنَثْرًا، يَعْنِي: فَلاَ يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ» [7] .
(1) ينظر: شرح المفصل 5/ 125، والمغني 1/ 104.
(2) ينظر: شرح الأشموني 4/ 45، والتصريح على التوضيح 2/ 430.
(3) ينظر: شواهد التوضيح، ص:138.
(4) منحة الباري 4/ 46.
(5) عمدة القاري 9/ 181.
(6) منحة الباري 4/ 124. وينظر: عمدة القاري 9/ 281، وإرشاد الساري 4/ 155.
(7) إرشاد الساري 6/ 514.