وَقَالَ ابْنُ وَلاَّدٍ [1] : «فَهَذَانِ وَجْهَانِ: الأَوَّلُ مِنْهُمَا يَجُوزُ فِي الشِّعْرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ"ثَلاَثَةُ كِلاَبٍ"عَلَى مَعْنَى"ثَلاَثَةُ أَكْلُبٍ"، كَمَا قَالُوا:"ثَلاَثَةُ قُرُودٍ"، إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الْجَمْعَ الْقَلِيلَ فِي"قُرُودٍ"، فَيَقُولُوا:"أَقْرَادٌ"، وَاسْتَعْمَلُوا الْكَثِيرَ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَجَازَ فِي الْكَلاَمِ، وَشَبَّهُوا"كِلاَبًا"بِهِ، فَجَازَ فِي الشِّعْرِ؛ لاِسْتِعْمَالِهِمُ الْجَمْعَ الْقَلِيلَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ:"أَكْلُبٌ".
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي عَلَى مَعْنَى الإِضَافَةِ إِلَى الْجِنْسِ، فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْكَلاَمِ وَالشِّعْرِ» [2] .
وَأَمَّا الْمُبَرِّدُ [3] فَإِنَّهُ يُجِيزُ"ثَلاَثَةَ كِلاَبٍ"قِيَاسًا فِي الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ، عَلَى تَأْوِيلِ:"ثَلاَثَةٍ مِنَ الْكِلاَبِ"، وَالْمَشْهُورُ التَّفْصِيلُ فِي ذَلِكَ كَمَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ.
وَرَدَّ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى الْمُبَرِّدِ بِأَنَّهُ «لَوْ جَازَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَعْنًى فِي الْحِجْرِ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ؛ لأَنَّ كُلَّ جَمْعِ كَثْرَةٍ صَالِحٌ لأَنْ يُرَادَ بِهِ مِثْلُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ يُقَالَ:"ثَلاَثَةُ فُلُوسٍ، وَثَلاَثَةُ دُورٍ"، عَلَى تَقْدِيرِ: ثَلاَثَةٍ مِنْ فُلُوسٍ، وَثَلاَثَةٍ مِنْ دُورٍ» [4] .
هَذَا، وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحَاةِ إِلَى أَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ السَّالِمَ وَجَمْعَ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمَ حُكْمُهُمَا وَمَعْنَاهُمَا حُكْمُ وَمَعْنَى جَمْعِ الْقِلَّةِ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: «وَمَا كَانَ مِنَ الْمُذَكَّرِ مَجْمُوعًا بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، نَحْوُ:"مُسْلِمُونَ وَصَالِحُونَ"، فَهُوَ أَدْنَى الْعَدَدِ؛ لأَنَّهُ عَلَى مِنْهَاجِ التَّثْنِيَةِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ مَا كَانَ بِالأَلِفِ وَالتَّاءِ، نَحْوُ:"مُسْلِمَاتٍ، وَصَالِحَاتٍ، وَكَرِيمَاتٍ"، وَمَا كَانَ بَعْدَ مَا وَصَفْنَا فَهُوَ لأَكْثَرِ الْعَدَدِ» [5] .
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: « ... حُكْمُ الْعَدَدِ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ فِي التَّذْكِيرِ، وَمِنْ ثَلاَثٍ إِلَى عَشْرٍ فِي التَّأْنِيثِ، أَنْ يُضَافَ إِلَى أَحَدِ جُمُوعِ الْقِلَّةِ السِّتَّةِ، وَهِيَ:"أَفْعُلٌ، وَأَفْعَالٌ، وَفِعْلَةٌ، وَأَفْعِلَةٌ"، وَالْجَمْعِ بِالأَلِفِ وَالتَّاءِ، وَجَمْعِ الْمُذَكَّرِ سَالِمًا» [6] .
(1) ابن ولاَّد هو: أحمد بن محمد بن الوليد، المعروف بـ"ابن ولاد"، أصله من البصرة، وانتقل جده إلى مصر، سمع في العراق من الزجاج وغيره، من مصنفاته"الانتصار لسيبويه على المبرد"، وله مناظرات مع ابن النحاس، توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة (332 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 1/ 99، وإشارة التعيين، ص:44، وبغية الوعاة 1/ 395.
(2) الانتصار لسيبويه على المبرد، ص:244.
(3) ينظر: المقتضب 2/ 158 - 160، والانتصار لسيبويه على المبرد، ص: 244، وشرح الكافية 3/ 373.
(4) شرح التسهيل 2/ 397.
(5) المقتضب 2/ 156، 157.
(6) شواهد التوضيح، ص:90.