قَالَ الْقَاضِي: الذَّوْدُ مَا بَيْنَ الثَّلاَثَةِ إِلَى الْعَشْرَةِ، لاَ وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ:"بَعِيرٌ"، كَمَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ مِنَ النِّسَاءِ:"امْرَأَةٌ"، وَقَالَ غَيْرُهُ: خَمْسُ ذَوْدٍ، كَمَا تَقُولُ:"خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، وَخَمْسُ جِمَالٍ، وَخَمْسُ نُوقٍ".
قَالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ:"ثَلاَثُ ذَوْدٍ"؛ لأَنَّ الذَّوْدَ أُنْثَى، وَلَيْسَ بِاسْمٍ عَلَيْهِ مُذَكَّرٌ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لُفِظَ بِهِ عَلَى التَّأْنِيثِ؛ لأَنَّ الْوَاحِدَ فَرِيضَةٌ .... ،
.وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَاحِدُ، وَقَالَ لِي: لاَ يَصِّحُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ:"خَمْسُ ذَوْدٍ"، كَمَا لاَ يُقَالُ:"خَمْسُ ثَوْبٍ"، وَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَمَا قَالَهُ هُوَ أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْجَمْعِ، فَقَالُوا:"ثَلاَثُ ذَوْدٍ"لِثَلاَثٍ مِنَ الإِبِلِ،"وَأَرْبَعُ ذَوْدٍ"، وَ"عَشْرُ ذَوْدٍ"عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كَمَا قَالُوا:"ثَلاَثُ مِئَةٍ وَأَرْبَعُ مِئَةٍ"، وَالْقِيَاسُ"مِئِينَ وَمِئَاتٌ"، وَلاَ يَكَادُوا يَقُولُونَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: رِوَايَتُنَا فِي جَمِيعِ الأُمَّهَاتِ:"خَمْسُ ذَوْدٍ"عَلَى الإِضَافَةِ، وَحَكَى أَبُو عَمْرٍو الْحَافِظُ: أَنَّ مِنَ الشُّيُوخِ مَنْ كَانَ يَرْوِيهِ"خَمْسٌ ذَوْدٌ"بِالتَّنْوِينِ [1] عَلَى الْبَدَلِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَأَكْثَرِ اللُّغَوِيِّينَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ شُيُوخِنَا"خَمْسَةُ ذَوْدٍ"، وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ"خَمْسُ"، وَهَذَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ: إِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالإِنَاثِ، وَالأَوَّلُ عَلَى إِطْلاَقِهِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لُفِظَ بِهِ عَلَى التَّأْنِيثِ، لأَنَّ الْوَاحِدَ فَرِيضَةٌ».
وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ: « (خَمْسُ ذَوْدٍ) -بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَوَاوٍ، فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ- وَالذَّوْدُ مِنَ الإِبِلِ: مَا بَيْنَ الاِثْنَيْنِ إِلَى التِّسْعِ، بِتَقْدِيمِ التَّاءِ. هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالإِنَاثِ، وَقَالَ الأَصْمُعِيُّ: مَا بَيْنَ الثَّلاَثِ إِلَى الْعَشْرِ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: مُقْتَضَى لَفْظِ الأَحَادِيثِ إِطْلاَقُهُ عَلَى الْوَاحِدِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالُوهُ، إِنَّمَا هُوَ لَفْظُ الْجَمْعِ، كَمَا قَالُوا: لِـ"مِئَةِ رَهْطٍ، وَنَفَرٍ، وَنِسْوَةٍ"، وَلَمْ يَقُولُوهُ لِوَاحِدٍ» [2] .
(1) ينظر: المفهم 3/ 8.
(2) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:427.