وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (بَابٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ) : الذَّوْدُ -بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةً- قَالَ الزَّيِّنُ ابْنُ الْمُنَيِّرِ [1] : أَضَافَ"خَمْسَ"إِلَى"ذَوْدٍ"، وَهُوَ مُذَكَّرٌ؛ لأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَأَضَافَهُ إِلَى الْجَمْعِ؛ لأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: إِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَقَطْ فَلاَ يَدْفَعُ مَا نَقَلَهُ غَيْرُهُ: إِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْجَمْعِ. انْتَهَى.
وَالأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الذَّوْدَ مِنَ الثَّلاَثَةِ إِلَى الْعَشْرَةِ، وَأَنَّهُ لاَ وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مِنَ الثِّنْتَيْنِ إِلَى الْعَشْرَةِ، قَالَ: وَهُوَ يَخْتَصُّ بِالإِنَاثِ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ:"ثَلاَثُ ذَوْدٍ"؛ لأَنَّ الذَّوْدَ مُؤَنَّثٌ، وَلَيْسَ بِاسْمٍ، كُسِرَ عَلَيْهِ مُذَكَّرٌ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُهُ:"ذَادَ يَذُودُ"إِذَا دَفَعَ شَيْئًا، فَهُوَ مَصْدَرٌ، وَكَأَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَرَّةَ الْفَقْرِ، وَشِدَّةَ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَّةِ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ الإِبِلِ) : بَيَانٌ لِلذَّوْدِ.
وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يُرَادَ بِالذَّوْدِ الْجَمْعُ، وَقَالَ: لاَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ:"خَمْسُ ذَوْدٍ"، كَمَا لاَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ:"خَمْسُ ثَوْبٍ"، وَغَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ.
لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْجَمْعِ، فَقَالُوا:"خَمْسُ ذَوْدٍ"، لِخَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ، كَمَا قَالُوا:"ثَلاَثُ مِئَةٍ"عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّ الذَّوْدَ وَاحِدٌ فِي لَفْظِهِ، وَالأَشْهَرُ مَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ: إِنَّهُ لاَ يُقْصَرُ عَلَى الْوَاحِدِ» [2] .
الْمُخَالَفَةُ الثَّانِيَةُ: إِضَافَةُ الْعَدَدِ الْمُعَرَّفِ بِـ"الْـ"إِلَى تَمْيِيزِهِ.
ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى قِيَاسِيَّةِ دُخُولِ"اَلْ"عَلَى الْعَدَدِ الْمُضَافِ إِلَى تَمْيِيزِهِ، نَحْوُ:"الثَّلاَثَةُ أَثْوَابٍ"، وَعَلَى الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، نَحْوُ:"الثَّلاَثَةُ الأَثْوَابِ"، [3] وَعَلَى جُزْأَيِ الْعَدَدِ الْمُرَكَّبِ وَتَمْيِيزِهِ [4] نَحْوُ:"الأَحَدَ الْعَشْرَ الدِّرْهَمِ، [5] قَالَ ابْنُ يَعِيشَ: « ... وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَالأَخْفَشِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: تَعْرِيفُ الاِسْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ، نَحْوُ:"عِنْدِي الأَحَدَ الْعَشْرَ دِرْهَمًا"؛ لأَنَّهُمَا فِي"
(1) الزين ابن الْمُنَيِّر هو: أبو الحسن،، علي بن محمد بن منصور، الجذامي، الإسكندري، المعروف بـ"زين الدين ابن الْمُنَيِّر"، ولد سنة (629 هـ) ، من آثاره:"شرح الجامع الصحيح للبخاري"، توفي يوم عبد الأضحى، سنة (695 هـ) . ينظر: سير أعلام النبلاء 13/ 371.
(2) فتح الباري 3/ 378.
(3) روى ذلك أبو زيد، فيما حكى عنه أبو عمر أنه لغة لقوم غير فصحاء. ينظر: كتاب التكملة/ للفارسي، ص:263، وفيه: « ... ولم يقولوا:"النِّصفُ الدِّرْهَمِ"، ولا"الثُّلْثُ الدِّرْهَمِ"، وامتناعه من الاطِّراد يدلُّ على ضعفه» .
(4) حكاه الأخفش-أيضا- عن العرب، وأجازه. ينظر: الارتشاف 2/ 763.
(5) ينظر: كتاب التكملة/ للفارسي، ص:262، 263، والفوائد والقواعد، ص:658، والإنصاف، مسألة (43) 1/ 291، وشرح الكافية 3/ 381، والارتشاف 2/ 764، وظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:262.