فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 1015

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الاِسْتِعْمَالِ أَنَّ الْفَاعِلَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ قَابِلٍ لِعَلاَمَةِ تَثْنِيَةٍ، وَلاَ جَمْعٍ، كَـ"مَنْ"، فَإِذَا قَصَدْتَ تَثْنِيَتَهُ أَوْ جَمْعَهُ، وَالْفِعْلُ مُجَرَّدٌ، لَمْ يُعْلَمِ الْقَصْدُ؛ فَأَرَادَ أَصْحَابُ هَذِهِ اللُّغَةِ تَمْيِيزَ فِعْلِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِهِ فَوَصَلُوهُ عِنْدَ قَصْدِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، بِعَلاَمَتَيْهِمَا، وَجَرَّدُوهُ عِنْدَ قَصْدِ الإِفْرَادِ، فَرَفَعُوا اللَّبْسَ، ثُمَّ أَلْزَمُوا ذَلِكَ فِيمَا لاَ لَبْسَ فِيهِ؛ لَيَجْرِيَ الْبَابُ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ» [1] .

وَقَدْ وَصَفَ ابْنُ السَّرَّاجِ تَشْبِيهَ الضَّمَائِرِ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، بِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ غَيْرُ دَقِيقٍ، وَأَنَّ فِيهِ لَبْسًا؛ «إِذْ كَانَ مِنْ كَلاَمِهِمُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، فَكَأَنَّ السَّامِعَ إِذَا سَمِعَ:"قَامُوا الزَّيْدُونَ"، لاَ يَدْرِي: هَلْ هُوَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْوَاوُ فِيهِ ضَمِيرٌ، أَمِ الْوَاوُ عَلَمُ الْجَمْعِ فَقَطْ، غَيْرُ ضَمِيرٍ؟، وَكَذَلِكَ الأَلِفُ فِي"قَامَا الزَّيْدَانِ"؛ فَلِهَذَا وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِلَلِ مَا جُمِعَ عَلَى التَّاءِ، وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى الأَلِفِ وَالْوَاوِ ... وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ -رَحِمَهُ اللهُ-: إِنَّ التَّأْنِيثَ مَعْنًى لاَزِمٌ غَيْرُ مُفَارِقٍ، إِذَا لَزِمَ الْمَعْنَى لَزِمَتْهُ عَلاَمَتُهُ، وَلَيْسَ كَذَا التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَ الاِثْنَانِ وَالْجَمْعُ، فَتُخْبَرُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِيَالِهِ ... » [2] .

وَكَذَلِكَ رَدَّ الدُّكْتُورْ خَلِيلْ أَحْمَدْ عَمَايِرَةْ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ [3] ، بِأَنَّهُ يُوجِبُ اضْطِرَابًا فِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ النُّحَاةُ بِالإِجْمَاعِ -تَقْرِيبًا- وَهُوَ أَنَّ أَلِفَ الاِثْنَيْنِ وَوَاوَ الْجَمَاعَةِ وَيَاءَ الْمُخَاطَبَةِ وَنُونَ النِّسْوَةِ ضَمَائِرٌ، وَلَيْسَتْ عَلاَمَاتٍ كَالتَّاءِ، وَالضَّمَائِرُ لَهَا مَحَلٌّ مِنَ الإِعْرَابِ، وَلَهَا قِيمَةٌ دِلاَلِيَّةٌ فِي الْجُمَلِ؛ لِذَا تَعَدَّدَتِ التَّوْجِيهَاتُ لِمَا بَعْدَ هَذِهِ الأَحْرُفِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ احْتِمَالاَتٍ مُتَبَايِنَةٍ فِي الْمَعْنَى.

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ الأَوَّلِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ [4] ، وَالأَخْفَشُ [5] ، مِنْ أَنَّ الأَلِفَ وَالْيَاءَ وَالْوَاوَ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ أَدِلَّةُ الإِعْرَابِ، وَلَيْسَتْ بِإِعْرَابٍ، وَلاَ حُرَوفَ الإِعْرَابِ، وَلاَ

(1) شواهد التوضيح، ص:191.

(2) الأصول في النحو/ لابن السراج 1/ 173.

(3) ينظر: آراء في الضمير والعائد ولغة"أكلوني البراغيث"، ص:37 - 39.

(4) المازني هو: أبو عثمان، بكر بن محمد بن بقية، روى عن أبي عبيدةَ، وغيره، وروى عنه المبرد، وغيره، ورد بغداد، وأخذ عنه أهلها، وكان ذلك أيام المعتصم، توفي سنة (248 هـ) ، وقيل: (247 هـ) . ينظر: أخبار النحويين البصريين، ص:57، وإنباه الرواة 1/ 281، ومراتب النحويين، ص:126، وإشارة التعيين، ص:61، 62.

(5) ينظر: معاني القرآن 1/ 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت