الْقِسْمُ الثّانِي: أَنَّ الظَّوَاهِرَ بَعْدَ هَذِهِ الضَّمَائِرِ أَبْدَالٌ عَنْهَا، بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا السِّيرَافِيُّ.
وَرُدَّ عَلَى أَصْحَابِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي عُمُومًا بِمَا يَلِي [1] :
1 -أَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ الأَئِمَةِ الثِّقَاتِ أَنَّ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ لُغَةٌ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ مِنَ الْعَرَبِ.
2 -أَنَّ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ وَالإِبْدَالَ مِنَ الضَّمِيرِ يُجِيزُهُمَا جَمِيعُ الْعَرَبِ، فَلاَ يَخْتَصُّ بِهِمَا قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، فَالْقَوْلُ بِهِمَا يَنْفِي وُجُودَ تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي حَكَاهَا الثِّقَاتُ.
وَذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الثَّانِيَ «غَيْرُ مُمْتَنِعٍ إِنْ كَانَ مَنْ سُمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ غَيْرِ اللُّغَةِ الَْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا أَنْ يُحْمَلَ جَمِيعُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الأَلِفَ وَالْوَاوَ وَالنُّونَ فِيهِ ضَمَائِرٌ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأَنَّ أَئِمَةَ هَذَا الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ لِقَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ مَخْصُوصِينَ؛ فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا نُصَدِّقُهُمْ فِي غَيْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» [2] .
وَقَدْ اتَّخَذَ الشُّرَّاحُ مَذْهَبًا وَسَطًا؛ إِذْ ذَكَرُوا كِلاَ الْمَذْهَبَيْنِ عِنْدَ تَوْجِيهِ الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّ لُغَةَ"يَتَعَاقَبُونَ"قَلِيلَةُ الاِسْتِعْمَالِ، كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ بَعْضَ تِلْكَ الأَحَادِيثِ رُوِيَتْ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ.
فَقَدْ وُجِّهَ حَدِيثُ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ» ، عَلَى لُغَةِ"أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ" [3] ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (يَتَعَاقَبُونَ) .... قَالَ الْقُرْطُبِيُّ [4] : الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: (يَتَعَاقَبُونَ) عَلاَمَةُ الْفَاعِلِ الْمُذَكَّرِ الْمَجْمُوعِ، عَلَى لُغَةِ بِلْحَارِثٍ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ:"أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ"، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
(1) ينظر: شرح شذور الذهب/ للجوجري 1/ 351، والتصريح على التوضيح 1/ 405.
(2) شرح التسهيل 2/ 117. وينظر: شرح الأشموني 2/ 48.
(3) ينظر: نتائج الفكر، ص:128 وشرح التسهيل 2/ 116، وشرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 2/ 216، والارتشاف 2/ 739، ومصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:233، وفتح الباري 2/ 42، وعقود الزبرجد 2/ 338، وشرح السيوطي على سنن النسائي، ومعه حاشية السندي 1/ 260.
(4) ينظر: المفهم 2/ 260.