كِتَابَيْهِ (الارْتِشَافُ) وَ (مَنْهَجُ السَّالِكِ) ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، انْفَرَدَ فِي الاِحْتِجَاجِ بِهَا، وَبَنَى عَلَيْهَا حُكْمًا جَدِيدًا، أَوْ مَعْنًى جَدِيدًا، أَوِ اسْتِعْمَالًا جَدِيدًا.
وَمِمَّنْ رَجَّحَ هَذَ الْمَذْهَبَ الدُّكْتُورْ تَمَّامُ حَسَّانٍ، الَّذِي يَقْولُ -مُعَقِّبًا عَلَى مَذْهَبِ الْمَانِعِينَ-: « ... وَإِذَا كَانَ لَنَا مِنْ تَعْقِيبٍ عَلَى هَذَا الْمَوْقِفِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلنُّحَاةِ أَنْ يُرَاعُوا أَنَّ الَّذِينَ تَلَقَوْا هَذِهِ الأَحَادِيثَ تَلَقِّيًا مُبَاشِرًا عَنِ الرَّسُولِ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ- كَانُوا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ عَرَبٌ خُلَّصٌ، مِنْ ذَوِي الْفَصَاحَةِ وَالسَّلِيقَةِ، فَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ خَانَتْهُ ذَاكِرَتُهُ فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ لأَدَّى الْمَعْنَى بِأَلْفَاظٍ فَصِيحَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَإِذَا سَلَّمْنَا بِذَلِكَ انْتَقَلْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِي التَّابِعِينَ، فَوَجَدْنَاهُمْ أَحَدَ فَرِيقَيْنِ: لأَنَّهُمْ كَانُوا إِمَّا عَرَبًا أَقْحَاحًا، يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ مَا صَدَقَ عَلَى الصَّحَابَةِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، وَإِمَّا مِنَ الأَعَاجِمِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِصِدْقِ حِرْصِهِمْ عَلَى حَرْفِيَّةِ النُّصُوصِ، وَأَنَّهُمْ إِذَا تَلَقَّوْا عَنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ عَضُّوا بِالنَّوَاجِذِ عَلَى مَا كَانَ لَدَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ مِنَ الْبَصَرِ بِنَقْدِ الْحَدِيثِ سَنَدًا وَمَتْنًا مَا يَدْعُو إِلَى الاِطْمِئْنَانِ عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِمْ، مِنْ حَيْثُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى النَّصِّ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّ الاِعْتِمَادَ عَلَى التَّدْوِينِ، فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَفَّفَ الْحِمْلَ عَنْ ذَوَاكِرِ الْحُفَّاظِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، لاَ نَقُولُ: إِنَّهُ شَجَّعَهُمْ عَلَى النِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا نَقُولُ: أَعَانَهُمْ عَلَى عَدَمِ النِّسْيَانِ، وَعَلَى ضَبْطِ النَّصِّ بِالصُّورَةِ الَّتِي تَلَقَّوْهُ بِهَا عَنِ الصَّحَابِيِّ أَوِ التَّابِعِيِّ ذِي السَّلِيقَةِ.
زِدْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ هَؤُلاَءِ الأَعَاجِمَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْونَ الأَحَادِيثَ فِي عَالَمٍ غَيْرِ عَالَمِ النُّحَاةِ، الَّذِينَ بَدَؤُوا جُهُودَهُمُ النَّحْوِيَّةَ فِي ظِلِّ مُجْتَمَعٍ فَصِيحٍ، أَيْ: إِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُحَدِّثِينَ مِنَ الأَعَاجِمِ كَانُوا يَرْوُونَ مَا مَعَهُمْ مِنْ أَحَادِيثَ فِي وَسَطٍ فَصِيحٍ، وَلَمْ نَسْمَعْ أَنَّ الأَحَادِيثَ الَّتِي كَانُوا يَرْوُونَهَا خَالَفَتِ الْقَوَاعِدَ أَكْثَرَ مِمَّا خَالَفَهَا الشِّعْرُ الْعَرَبِيُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الضَّرَائِرِ وَالرُّخَصِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ نَرَى النُّحَاةَ يُقِيمُونَ نَحْوَهُمْ عَلَى الشِّعْرِ، وَهُوَ لُغَةٌ خَاصَّةٌ غَيْرُ النَّثْرِ، وَيَتْرُكُونَ الأَحَادِيثَ، وَهِيَ أَقَلُّ مُخَالَفَةً لِقَوَاعِدِهِمْ مِنَ الشِّعْرِ، أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى، ، كَانَتْ شَائِعَةً فِي الْكَثِيرِ مِنَ الشَّوَاهِدِ الشِّعْرِيَّةِ، الَّتِي اعْتَزَّ بِهَا النُّحَاةُ، يَشْهَدُ بِذَلِكَ تَعَدُّدُ رِوَايَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ؛ فَلِمَاذَا تَكُونُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى مَانِعًا مِنَ الاِحْتِجَاجِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدِيثِ مِنْ دُونِ الشِّعْرِ؟!! ... » [1] .
(1) الأصول-دراسة ايبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي/ للدكتور تمام حسان، ص:106، 107.