وَوَجْهُ الشُّذُوذِ -عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ- أَنَّ أَصْلَ الْمُفْرَدِ"مُصْوِبَةٌ"عَلَى وَزْنِ"مُفْعِلَةٍ"، اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ:"أَصَابَ يُصِيبُ"، أُلْقِيَتْ حَرَكةُ الْوَاوِ عَلَى الصَّادِ؛ فَانْكَسَرَتِ الصَّادُ، وَبَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ؛ فَأُبْدِلَتْ يَاءً؛ لِلْكَسْرَةِ قَبْلَهَا، فَصَارَتْ"مُصِيبَةً"، فَيَاؤُهَا أَصْلُهَا وَاوٌ مُتَحَرِّكَةٌ فِي الْمُفْرَدِ، وَلَيْسَتْ مَدَّةً زَائِدَةً، فَالْقِيَاسُ تَصْحِيحُهَا فِي الْجَمْعِ، وَعَدَمُ إِبْدَالِهَا هَمْزَةً، فَيُقَالُ:"مَصَاوِبُ"بِالْوَاوِ الْمُتَحَرِّكَةِ، بَدَلًا مِنْ"مَصَائِبَ"، قَالَ أَبُو حَيَّانٍ: إِذَا كَانَتِ «الْوَاوُ فِي الْمُفْرَدِ زَائِدَةً لِلْمَدِّ فَتُقْلَبُ، أَوْ غَيْرَ زَائِدَةٍ لِلْمَدِّ لَمْ تُهْمَزْ أَصْلًا إِلاَّ حَيْثُ سُمِعَ، فَأَمَّا"مَصَائِبُ"فَقِيَاسُهُ"مَصَاوِبُ"، وَهَمَزُوا تَشْبِيهًا بِـ"صَحَائِفَ"عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَشُذُوذًا عِنْدَ الزَّجَّاجِ، وَقَوْلُهُ أَقْيَسُ» [1] .
وَالْمَسَوِّغُ لِهَذَا الشُّذُوذِ هُوَ: تَشْبِيهُ الأَصْلِيِّ فِي"مُصِيبَةٍ"وَنَحْوِهَا، بِالزَّائِدِ فِي:"صَحِيفَةٍ"وَنَحْوِهَا؛ بِجَامِعِ سُكُونِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهُ [2] ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَقَالُوا:"مُصِيبَةٌ، وَمَصَائِبُ"، فَهَمَزُوهَا، وَشَبّهُوهَا حَيْثُ سُكِّنَتْ، بِـ"صَحِيفَةٍ، وَصَحَائِفَ"» [3] .
وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: «وَكَأَنَّ الَّذِي اسْتَهْوَى فِي تَشْبِيهِ يَاءِ"مُصِيبَةٍ"بِيَاءِ"صَحِيفَةٍ"أَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَائِدَةً، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى التَّحْصِيلِ بِأَصْلٍ، وَإِنَّمَا هِيَ بَدَلٌ مِنَ الأَصْلِ، وَالْبَدَلُ مِنَ الأَصْلِ لَيْسَ أَصْلًا، وَقَدْ عُومِلَ لِذَلِكَ مُعَامَلَةَ الزَّائِدِ» [4] .
وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الأَخْفَشُ إِلَى أَنَّ"مَصَائِبَ"إِنَّمَا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا؛ لأَنَّهَا أُعِلَّتْ فِي الْمُفْرَدِ"مُصِيبَةٍ"؛ فَتَوَهَّنَتِ الْعَيْنُ بِالْقَلْبِ، فَأَشْبَهَتِ الْيَاءَ الزَّائِدَةَ. [5]
رَدَّ عَلَيْهِ الزَّجَّاجُ بِأَنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ رَدِيءٌ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ فِي"مَقَامٍ: مَقَائِمُ"، وَفِي"مَعُونَةٍ: مَعَائِنُ". [6]
دَافَعَ ابْنُ جِنِّي عَنِ الأَخْفَشِ بِأَنَّ رَدَّ الزَّجَّاجِ «يَلْزَمُ أَبَا الْحَسَنِ لَوْ كَانَ يَقْطَعُ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّلَ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَأَنَّسَ بِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ بِعِلَّةٍ قَاطِعَةٍ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ فِي جَمْعِ"مَقامٍ:"
(1) المبدع في التصريف، ص:146. وينظر منه: ص:192.
(2) ينظر: الممتع في التصريف 2/ 508، وإيجاز التعريف، ص: 114، وشرح الشافية 3/ 134، والارتشاف 1/ 261.
(3) الكتاب 4/ 356. وينظر: دقائق التصريف ص:274، 275، والارتشاف 1/ 261.
(4) الخصائص 3/ 277.
(5) ينظر: معاني القرآن/ للأخفش 2/ 294، والمنصف، ص: 263، وتهذيب اللغة (ص ا ب) 12/ 253، واللسان (ص و ب) 1/ 535، والارتشاف 1/ 261.
(6) ينظر: معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 2/ 321، والمنصف، ص: 263، وتهذيب اللغة (ص ا ب) 12/ 253، واللسان (ص و ب) 1/ 535 والارتشاف 1/ 261.