وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «الأَصْلُ فِي"خُذْ"، وَ"كُلْ"، وَ"مُرْ":"أُوخُذْ، وَأُوكُلْ، وَأُومُرْ"، كَمَا يُقَالُ فِي الأَمْرِ مِنْ"أَجَرَ الأَجِيرَ"، وَ"أَثَرَ الْحَدِيثَ":"أُوجُرْ، وَأُوثُرْ".
لأَنَّ بِنَاءَ الأَمْرِ مِنَ الثُّلاَثِيِّ بِأَنْ يُحْذَفَ مِنْهُ حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ، وَيُجْعَلُ مَكَانَهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ، إِنْ سُكِّنَ مَا بَعْدَهُ.
وَتُضَمُّ الْهَمْزَةُ، إِنْ كَانَ مَا بَعْدَ السَّاكِنِ مَضْمُومًا ضَمَّةً لاَزِمَةً؛ فَعُومِلَ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ"أُوجُرْ"، وَ"أُوثُرْ"وَغَيْرُهُمَا.
وَكَانَتِ الأَفْعَالُ الثَّلاَثَةُ جَدِيرَةً بِذَلِكَ لَكِنْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا؛ فَخُفِّفَ بِالْتِزَامِ حَذْفِ الْفَاءِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لاَ يَقْتَضِيهِ قِيَاسٌ» [1] .
وَقَالَ الْجَارَبَرْدِيُّ: «لَكِنْ حَذَفُوا الْهَمْزَةَ الأَصْلِيَّةَ؛ لِكَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ، وَاسْتَغْنَوْا عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، فَقَالُوا:"خُذْ، وَكُلْ"، وَأَمَّا الأَمْرُ مِنْ"تَأْمُرُ"فَلَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَهُمَا فِي الْكَثْرَةِ، وَلاَ قَصُرَ فِي الْقِلَّةِ؛ فَجَعَلُوا لَهُ حُكْمًا مُتَوَسِّطًا، فَجَوَّزُوا فِيهِ:"أُومُرْ، وَمُرْ"، لَكِنْ فِي الاِبْتِدَاءِ يَكُونُ"مُرْ"أَفْصَحَ مِنْ"أُومُرْ"؛ لأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا:"أُومُرْ"لَكَانَ مْسْتَثْقَلًا» [2] .
الْمُخَالَفَةُ الثَّانِيَةُ: إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ يَاءً؛ ثُمَّ تَاءً، ثُمَّ إِدْغَامُ التَّاءِ فِي تَاءِ"افْتَعَلَ":
يَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ الْيَاءَ الْمُبْدَلَةَ مِنَ الْهَمْزَةِ لاَ تُقْلَبُ تَاءً فِي الاِفْتِعَالِ [3] ، وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ مَالِكٍ فِي (الأَلْفِيَّةِ) :
ذُو اللِّينِ"فَا""تَا"فِي"افْتِعَالٍ"أُبْدِلاَ *** وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوِ:"ائْتَكَلاَ"
وَمِمَّا شَذَّ -عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ [4] - قَوْلُهُمْ:"اِتَّخَذَ"، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى وَزْنِ"افْتَعَلَ"مِنْ"أَخَذَ" [5] ، وَأَصْلُهُ:"اِأْتَخَذَ"بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ السَّاكِنَةُ يَاءً؛ لِتُجَانِسَ الْكَسْرَةَ الَّتِي قَبْلَهَا، فَصَارَ:"اِيتَخَذَ"، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ تَاءً، وَأُدْغِمَتْ فِي تَاءِ
(1) شرح الكافية الشافية 4/ 2166، 2167.
(2) شرح الجاربردي لمتن الشافية، ضمن (مجموعة الشافية) 1/ 258.
(3) ينظر: الخصائص 2/ 287، 288، والتسهيل، ص:312، والارتشاف 1/ 309، والتصريح على التوضيح 2/ 736، والنحو الوافي 4/ 792.
(4) ينظر: الخصائص 2/ 287.
(5) ينظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 409، ومشكل إعراب القرآن، ص:446، والصحاح (أ خ ذ) ، والدر المصون 1/ 345.