وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: «وَأَمَّا قَوْلُهُمْ:"أَحْبَبْتُهُ فَهُوَ مَحْبُوبٌ"، وَ"أَجَنَّهُ اللهُ، فَهُوَ مَجْنُونٌ"، وَ"أَحَمَّهُ، فَهُوَ مَحْمُومٌ"، وَ"أَزْكَمَهُ اللهُ، فَهُوَ مَزْكُومٌ"، وَمِثْلُهُ:"مَكْزُوزٌ وَمَقْرُورٌ"، فَإِنَّهُ بُنِيَ عَلَى"فُعِلَ"؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ"فُعِلَ"بِغَيْرِ أَلِفٍ، يَقُولُونَ:"حُبَّ، وَجُنَّ، وَزُكِمَ، وَحُمَّ، وَقُرَّ، وَكُزَّ"، قَالَ: وَلاَ يُقَالُ:"قَدْ حَزَنَهُ الأَمْرُ"، وَلَكِنْ يُقَالُ:"أَحْزَنَهُ"، وَيَقُولُونَ:"يَحْزُنُهُ"، فَإِذَا قَالُوا:"أَفْعَلَهُ اللهُ"فَكُلُّهُ بِالأَلِفِ، وَلاَ يُقَالُ"مُفْعَلٌ"فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ، إِلاَّ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، قَالَ عَنْتَرَةُ:
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ *** مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ [1] » [2] .
وَمِمَّا شَذَّ كَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"أَحْزَنَهُ، فَهُوَ مَحْزُونٌ":
وَوَجْهُ الشُّذُوذِ: أَنَّ"أَحْزَنَ"ثُلاثِيٌّ مَزِيدٌ، وَالْقِيَاسُ فِي اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْهُ"مُحْزَنٌ".
وَلَكِنْ مِنَ الْمَلْحُوظِ أَنَّ"مَحْزُونًا"-وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ- هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ، وَلَعَلَّ هَذَا الَّذِي جَعَلَ ابْنَ دُرُسْتُوَيْهِ يَصِفُ لُغَةَ"أَحْزَنَهُ، فَهُوَ مُحْزَِنٌ"بِأَنَّهَا لُغَةُ الْعَامَّةِ، فَيَقُولُ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ:"حَزَنَنِي الأَمْرُ، يَحْزُنَنِي"، فَالْعَامَّةُ تَقُولُهُ بِأَلِفٍ:"أَحْزَنَنِي، وَهُوَ لِي مُحْزِنٌ"، وَلاَ تَكَادُ الْعَرَبُ تَقُولُ الْفَاعِلَ مِنْهُ:"حَازِنٌ"، وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ قَدْ تَدَاخَلَتَا، وَيَقُولُونُ لِلْمَفْعُولِ:"هُوَ حَزِينٌ وَمَحْزُونٌ"، وَهُوَ عَلَى مَعْنَى"فَاعِلٍ وَمَفْعُولٍ"، وَلاَ يَكَادُونَ يَقُولُونَ لِلْمَفْعُولِ:"مُحْزَنٌ"» [3] .
وَقَدْ وُجِّهَ"مَحْزُونٌ"وَ"حازِنٌ"عَلَى الْقِيَاسِ: بِأَنَّهُمَا مِنَ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ"حَزَنَ"؛ لأَنَّهُ « ... يُقَالُ:"حَزَنَنِي الأَمْرُ، يَحْزُنُنِي، فَأَنَا مَحْزُونٌ» [4] ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: «"وَحَزَنَهُ الأَمْرُ، يَحْزُنُهُ، حُزْنًا"، وَ"أَحْزَنَهُ، فَهُوَ مَحْزُونٌ، وَمُحْزَنٌ، وَحَزِينٌ، وَحَزِنٌ"الأَخِيرَةُ عَلَى النَّسَبِ، مِنْ"قَوْمٌ حِزَانٌ، وَحُزَنَاءُ"» [5] ، وَقَالَ ابْنُ السِّيدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ: « .... وَقَدْ جَاءَ بَعْضُهَا عَلَى الْقِيَاسِ، فَقَدْ حُكِيَ"
(1) البيت من الكامل، وهو لعنترة، ولم أجده في ديوانه، وهو في: أفعلت/ لأبي حاتم السجستاني، ص:97، واللسان (ح ب ب) 2/ 89.
(2) أدب الكاتب، ص:498.
(3) تصحيح الفصيح، ص:84.
(4) كتاب العين (ح ز ن) 3/ 160، وينظر: النهاية (ح ز ن) ، وزاد: «ولا يُقَالُ: مُحْزونٌ» بضم الميم.
(5) المحكم (ح ز ن) 3/ 165. وينظر: القاموس (ح ز ن) ، واللسان (ح ز ن) 13/ 111.