اخْتَارَ الشُّرَّاحُ هَذَا الْمَذْهَبَ الأَخِيرَ، مَعَ إِقْرَارٍ بِأَنَّ لُغَةَ"أَخْيَرَ وَأَشَرَّ"ضَعِيفَةٌ [1] ، أَوْ قَلِيلَةٌ، أَوْ نَادِرَةٌ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: «زَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ لاَ يُقَالُ:"أَخْيَرُ"وَلاَ"أَشَرُّ"، وَإِنَّمَا يُقَالُ:"خَيْرٌ وَشَرٌّ"، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {ژ ڑ} [2] ، وَ: {? ?} [3] ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا اللَّفْظُ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ» [4] .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «قَوْلُهُ: (خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمَعَةِ) "خَيْرٌ وَشَرٌّ"يُسْتَعْمَلاَنِ لِلْمُفَاضَلَةِ وَلِغَيْرِهَا: فَإِذَا كَانَتَا لِلْمُفَاضَلَةِ فَأَصْلُهُمَا"أَخْيَرُ، وَأَشَرُّ"، عَلَى وَزْنِ"أَفْعَلَ"، وَقَدْ نُطِقَ بِأَصْلِهِمَا وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُونَا لِلْمُفَاضَلَةِ فَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الأَسْمَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {? ? ?} [5] ، وَقَالَ: {? ? ? ? ?} [6] ، وَهِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْمُفَاضَلَةِ، غَيْرَ أَنَّهَا مُضَافَةٌ لِنَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، وَمَعْنَاهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ يَوْمَ الْجُمَعَةِ أَفْضُلُ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ» [7] .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ (:(إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) قَالَ الْقَاضِي [8] : هَكَذَا وَقَعَتِ الرِّوَايَةُ (أَشَرِّ) بِالأَلِفِ، وَأَهْلُ النَّحْوِ يَقُولُونَ: لاَ يَجُوزُ"أَشَرُّ، وَأَخْيَرُ"، وَإِنَّمَا يُقَالُ:"هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَشَرٌّ مِنْهُ". قَالَ: وَقَدْ جَاءَتِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، وَهِيَ حُجَّةٌ فِي جَوَازِهِمَا جَمِيعًا، وَأَنَّهُمَا لُغَتَانِ» [9] .
وَقَالَ -أَيْضًا-: «قَوْلُهُ (:(هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ) هَكَذَا هُوَ فِي كُلِّ النُّسَخِ (أَوْ مِنْ أَشَرِّ) بِالأَلِفِ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَالْمَشْهُورُ (شَرٌّ) بِغَيْرِ أَلِفٍ» [10] .
وَلاِبْنِ مَنْظُورٍ رَأْيٌ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ هَاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَانِ مَعْنًى وَمَبْنًى، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ:"أَخْيَرُ مِنْكَ وَأَشَرُّ"فَمِنَ الْخِيَارَةِ وَالشَّرَارَةِ، وَإِذَا قِيلَ:"خَيْرٌ مِنْكَ وَشَرٌّ"فَمِنَ
(1) ينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 1/ 455.
(2) سورة المائدة، من الآية:60.
(3) سورة الكهف، من الآية:44.
(4) مشارق الأنوار 2/ 193. وينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 10/ 58، وإكمال الإكمال 6/ 352.
(5) سورة البقرة، من الآية: 180.
(6) سورة النساء، من الآية: 19.
(7) المفهم 2/ 489، 490.
(8) ينظر: إكمال المعلم 4/ 614.
(9) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 10/ 249، 250. وينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 6/ 309، 310، وعقود الزبرجد 2/ 149، 150.
(10) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 7/ 167.