كَذَلِكَ؛ لأَنَّ ثُبُوتَ مُطْلَقِ الصِّفَةِ مُقَدَّمٌ طَبْعًا عَلَى ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ فِيهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا يَدُلُّ عَلَى الأَوَّلِ سَابِقًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي؛ لِيُوَافِقَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ» [1] .
-وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَازِ صَوْغِ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ [2] ؛ لأَنَّهُمَا -فِي نَظَرِهِمْ- أَصْلاَ الأَلْوَانِ، وَمِنْهُمَا تَتَرَكَّبُ سَائِرُ الأَلْوَانِ، كَالْحُمْرَةِ، وَالصُّفْرَةِ، وَالْخُضْرَةِ، وَقَدْ سُمِعَ"أَفْعَلُ"التَّفْضِيلِ مِنْهُمَا فِي الشِّعْرِ، مِنْ ذَلِكَ:
إِذَا الرِّجَالُ شَتَوْا وَاشْتَدَّ أَكْلُهُمُ *** فَأَنْتَ أَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ [3]
وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي:
*لأَنْتِ أَسْوَدُ فِي عَيْنِي مِنَ الظُّلَمِ* [4]
وَذَهَبَ الأَنْبَارِيُّ فِي (الإِنْصَافِ) [5] إِلَى أَنَّ الْكُوفِيِّينَ يُفَصِّلُونَ فِي جَوَازِ صَوْغِ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنَ الأَلْوَانِ، بِأَنَّهُ: إِذَا كَانَتِ الأَلْوَانُ مَحْسُوسَةً فَلاَ يَجُوزُ التَّفْضِيلُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ، جَازَ صَوْغُ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنْهَا، نَحْوُ"مُحَمَّدٌ أَبْيَضُ سَرِيرَةً مِنْ عَلِيٍّ"، وَ"أَبُو جَهْلٍ أَسْوَدُ ضَمِيرًا مِنْ أَبِي لَهَبٍ". [6]
(1) الموارد العذبة الصافية، ص:98.
(2) ينظر: الإنصاف، مسألة (16) 1/ 141 - 143، والموارد العذبة الصافية في شرح نظم الشافية، ص:98، وهمع الهوامع 6/ 43.
(3) البيت من البسيط، وهو لطرفة بن العبد في: ديوانه، ص:18، وشرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 580، وبلا نسبة في: الإنصاف 1/ 141، وشرح المفصل 4/ 124.
وراية الديوان:
أَمَّا الْمُلُوكُ، فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَلأَمُهُمْ *** لَوْمًا، وَأَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ
قيل: يحتمل أن يكون"أبيضهم"لغير المفاضلة، كأن يكون بمعنى: مبيضهم. ينظر: الإنصاف 1/ 143، 145، واللسان (ب ي ض) 7/ 123.
(4) عجز بيت من البسيط، وصدره:
*إِبْعَدْ بَعِدْتَ بَيَاضًا لاَ بَيَاضَ لَهُ*
وهو في: ديوانه 4/ 35، وبلا نسبة في: شرح الكافية 3/ 515.
(5) ينظر: 1/ 143، واللباب في علل البناء والإعراب 1/ 201.
(6) ينظر: صيغة"أفعل"بين النحويين واللغويين واستعمالاتها العربية/ للدكتور مصطفى الشماس، ص:114، والظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، ص:401.