أَلْحَقَ بَعْضُ النُّحَاةِ بِالأَلْوَانِ غَيْرِ الْمَحْسُوسَةِ -فِي جَوَازِ صَوْغِ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنْهَا- الْعُيُوبَ الْبَاطِنَةَ، نَحْوُ"أَبْلَدَ، وَأَجْهَلَ، وَأَحْمَقَ"... [1]
رُدَّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ [2] بِأَنَّ مَا سُمِعَ مِنْ ذَلِكَ شَاذٌّ؛ فَلاَ يُؤْخَذُ بِهِ، قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: « ... اسْتِعْمَالُ"أَبْيَضُ"فِي مَوْضِعِ"أَشَدُّ بَيَاضًا"كَقَوْلِهِمْ:"أَسْوَدُ مِنْ حَلَكِ الْغُرَابِ" [3] ، وَ"أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ" [4] ، وَهُوَ كَثِيرٌ مَعَ شُذُوذِهِ عَنِ الْقِيَاسِ» [5] .
وَمَا قَالَهُ الْمُتَنَبِّي تَنْظِيرٌ، وَتَمْثِيلٌ، وَلَيْسَ اسْتِشْهَادًا؛ لأَنَّ الْمُتَنَبِّيَ لاَ يُحْتَجُّ بِشِعْرِهِ؛ لأَنَّهُ مُوَلَّدٌ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ:"أَبْيَضُ مِنْ كَذَا، وَأَعْوَجُ مِنْ كَذَا"شَاذٌّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لأنَّهُمَا بُنِيَا مِنَ الْوَصْفِ الَّذِي عَلَى"أفْعَلَ"، وَمُؤَنَّثُهُ"فَعْلاَءُ"؛ لأَنَّهُ يُقَالُ:"أَبْيَضُ وَبَيْضَاءُ"، وَأَعْوَجُ وَعَوْجَاءُ"، وَمِنْ شُرُوطِ اسْمِ التَّفْضِيلِ أَنْ لاَ يَكُونَ مِمَّا مُذَكَّرُهُ عَلَى"أَفْعَلَ"وَصْفًا، وَمُؤَنَّثُهُ عَلَى "فَعْلاَء"مِنَ الأَلْوَانِ وَالْعُيُوبِ. [6] "
وَكُلُّ ذَلِكَ قِيَاسٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ؛ لأنَّهُمْ يُجِيزُونَ صَوْغَ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنَ الأَلْوَانِ وَالْعُيُوبِ، قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: « ... وَ"هَذَا أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ كَذَا"، وَلاَ تَقُلْ:"أَبْيَضُ مِنْهُ"، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَقُولُونَهُ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
جَارِيَةٌ فِي دِرْعِهَا الْفَضْفَاضِ*** تَقْطَعُ الْحَدِيثَ بِالإِيمَاضِ
أَبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِبَاضِ [7]
(1) ينظر: اللباب في علل البناء والإعراب 1/ 202، وشرح الكافية 3/ 514، وهمع الهوامع 6/ 43، والموارد العذبة الصافية في شرح نظم الشافية، ص:98، والظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، ص:402.
(2) ينظر: الإنصاف 1/ 143 - 146، والوصف المشتق في القرآن، ص:171.
(3) هذا القول لأم الهيثم. ويروى بـ:"حلك، وحنك"، فالحلك: شدة السواد، والحنك: المنقار. ينظر: اللسان (ح ل ك) 10/ 415، وشرح جمل الزجاجي/ لابن عصفور 1/ 578.
(4) جزء من حديث أبي هريرة (: «أَتَرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذِهِ، لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ» ، الموطأ، كتاب جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم، ح(1805) 2/ 994.
(5) شرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 580.
(6) ينظر: الكتاب 4/ 98، وشرح المفصل 4/ 120.
(7) الأرجاز لرؤبة في ملحق ديوانه، ص:176، وشرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 578، والخزانة 8/ 233، وبلا نسبة في: الإنصاف 1/ 142، وشرح المفصل 4/ 124، واللسان (ب ي ض) 7/ 123، والمغني 2/ 453. الإيماض: النظر والإشارة خفيّة. ينظر: القاموس (و م ض) . «و"الدرع"القميص، و"الفضفاض": الواسع، ومعنى"تُقَطِّعُ الحديث"أي: إذا نظرتْ إلى المحدِّثين شغلتْهم بحسنها، فقطعوا الحديثَ، ويمكن أن يُشبِّه تبسُّمَها بوميض البرق، أي: إذا نظروا إلى بريق ثناياها، وتنوّر وجهها شغلهم عن حديثهم، ويمكن أن يريد: تقطعُ حديثَها بالتَّبسم، فشبَّه ذلك بالوميض» شرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 579، 580.
ذكر ابن الأنباري في (الإنصاف 1/ 145) : أن أبيض هنا يحتمل أنه ليس للمفاضلة، فكأنه قال: «في درعها جسد مُبيض من أخت بني أباض، ويكون"من أخت"ها هنا في موضع رفع؛ لأنها صفة لـ"أبيض"، كأنه قال:"أبيضُ كائنٌ من أخت"، كقولهم:"أنت كريمٌ من بني فلان"... » .