قَالَ الْمُبَرِّدُ: لَيْسَ الْبَيْتُ الشَّاذُّ بِحُجَّةٍ عَلَى الأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ» [1] .
ذَهَبَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَالْقَاضِي عِيَاضٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ، يُصَحِّحُهَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. [2]
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ كَالزَّرْكَشِيِّ، وَالدَّمَامِينِيِّ [3] الْمَذْهَبَيْنِ-عِنْدَ تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ- مِنْ دُونِ تَرْجِيحٍ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: « (مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلْكُوفِيِّينَ فِي مَجِيءِ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنَ الأَلْوَانِ، وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْهُمْ تَخْصِيصُهُ بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ؛ لأَنَّهُمَا الأَصْلُ، وَسَائِرُ الأَلْوَانِ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَمَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ ... » [4] .
وَوَافَقَ الأُبِّيُّ عَلَى شُذُوذِ"أَبْيَضُ مِنْ كَذَا".
وَوَجْهُ الشُّذُوذِ -عِنْدَهُ- أَنَّهُ مِنْ فِعْلٍ مَزِيدٍ، وَأَنْكَرَ الاِحْتِجَاجَ بِالْحَدِيثِ لِتِلْكَ اللُّغَةِ؛ لِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَفِي هَذَا يَقُولُ: « ... وَلاَ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ؛ لأَنَّهُ كَثُرَ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى؛ وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأَحَادِيثِ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا.
وَإِنَّمَا كَانَتْ لَفْظَةُ"أَبْيَضُ"مَبْنِيَّةً مِنَ الْمَزِيدِ؛ لأَنَّ فِعْلَهَا فِي الأَصْلِ"ابْيَضَّ"-بِتَشْدِيدِ الضَّادِ-"وَابْيَضَّ"مَزِيدٌ» [5] .
وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ بِلَفْظِ: «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ» عَلَى الْوَجْهِ الْقِيَاسِيِّ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النُّحَاةِ [6] ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: « ... وَكُلُّ ذَلِكَ جَاءَ مُنَبِّهَةً عَلَى الأَصْلِ الْمَرْفُوضِ، وَالْمُسْتَعْمَلُ الْفَصِيحُ، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى"أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ"، وَلاَ مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ
(1) اللسان (ب ي ض) 7/ 122.
(2) ينظر: إكمال المعلم 7/ 263.
(3) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:1369.
(4) التنقيح 3/ 1201.
(5) إكمال الإكمال 6/ 108.
(6) ينظر: إكمال المعلم 7/ 264.