وَاعْتُذِرَ لَهَا بِأَنَّهَا لَمَّا اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمَالَ الأَسْمَاءِ، حَيْثُ لاَ تَكَادُ تُذْكَرُ مَعَ الْمَوْصُوفِ، أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأَسْمَاءِ فِي عَدَمِ لُزُومِ الأَلِفِ وَاللاَّمِ فِيهَا لِلتَّطَابُقِ [1] ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «قُلْتُ:"دُنْيَا"فِي الأَصْلِ، مُؤَنَّثُ"أَدْنَى"، وَ"أَدْنَى""أَفْعَلُ"التَّفْضِيلِ، وَ"أَفْعَلُ"التَّفْضِيلِ إِذَا نُكِّرَ لَزِمَ الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَ، وَامْتَنَعَ تَأْنِيثُهُ، وَتَثْنِيَتُهُ، وَجَمْعُهُ.
فَفِي اسْتِعْمَالِ"دُنْيَا"بِتَأْنِيثٍ، مَعَ كَوْنِهِ مُنَكَّرًا، إِشْكَالٌ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ لاَ يُسْتَعْمَلَ، كَمَا لاَ يُسْتَعْمَلُ"قُصْوَى"، وَلاَ"كُبْرَى"، إِلاَّ أَنَّ"دُنْيَا"خُلِعَتْ عَنْهُ الْوَصْفِيَّةُ غَالِبًا، وَأُجْرِيَتْ مُجْرَى مَا لَمْ يَكُنْ قَطُّ وَصْفًا، مِمَّا وَزْنُهُ"فُعْلَى"، كَـ"رُجْعَى، وَبُهْمَى".
وَفِي وُرُودِهِ مُنَكَّرًا مُؤَنَّثًا قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
لاَ تُعْجِبَنَّكَ دُنْيًا أَنْتَ تَارِكُهَا *** كَمْ نَالَهَا مِنْ أُنَاسٍ ثُمَّ قَدْ ذَهَبُوا [2] ... » [3]
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: « (دُنْيَا) بِضَمِّ الدَّالِ، وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ [4] كَسْرَهَا، وَهُوَ مَقْصُورٌ، غَيْرُ مُنَوَّنٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحُكِيَ تَنْوِينُهَا، قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَهِيَ نَادِرَةٌ، وَأَوْرَدَ ابْنُ مَالِكٍ أَنَّهَا فِي الأَصْلِ مُؤَنَّثُ"أَدْنَى"... » [5] .
وَشَذَّ -أَيضًا- قَوْلُهُمْ:"صُغْرَى وَكُبْرَى"بِالتَّطَابُقِ مِنْ دُونِ الأَلِفِ وَاللاَّمِ، أَوِ الإِضَافَةِ؛ وَلِذَا عِيبَ وَلُحِّنَ مَنْ قَالَ:
كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَوَاقِعِهَا *** حَصْبَاءُ دُرٍّ عَلَى أَرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ [6]
وَاعْتُذِرَ لَهُ بِأَنَّ"كُبْرَى وَصُغْرَى"لَمَّا اسْتُعْمِلَتَا اسْتِعْمَالَ الأَسْمَاءِ، حَيْثُ لاَ تَكَادَانِ تُذْكَرَانِ مَعَ الْمَوْصُوفِ، أُجْرِيَتَا مُجْرَى الأَسْمَاءِ، فِي عَدَمِ لُزُومِ الأَلِفِ وَاللاَّمِ فِيهِمَا، فَاسْتُعْمِلَتَا نَكِرَتَيْنِ بِالتَّطَابُقِ. [7]
(1) ينظر: شرح المفصل 4/ 138.
(2) البيت من البسيط، للفرزدق، في ديوانه في مطلع قصيدة يهجو بها الطرماح.
(3) شواهد التوضيح، ص:81. وينظر: عمدة القاري 1/ 24.
(4) ينظر: أدب الكاتب، ص: 328.
(5) التنقيح 1/ 6.
(6) البيت من البسيط، لابن هانئ في: شرح المفصل 4/ 139، وبلا نسبة في: المغني 2/ 13.
(7) ينظر: شرح المفصل 4/ 139.