وَيَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِمَا التَّفْضِيلَ، «بَلْ مَعْنَى الْفَاعِلِ، كَأَنَّهُ قَالَ:"كَأَنَّ صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً مِنْ فَوَاقِعِهَا"... » [1] .
الْمُخَالَفَةُ الرَّابِعَةُ: صَوْغُ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنْ فِعْلٍ رُبَاعِيٍّ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ:"أَذْهَبُ"، كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: « ... مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُّبِ الرُّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» .
وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ: أَنَّ مِنْ شُرُوطِ اسْمِ التَّفْضِيلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلٍ ثُلاَثِيٍّ؛ لاِسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ بِنَاءُ"أَفْعَلَ"-بِهَمْزَةٍ زَائِدَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَبَعْدَهَا ثَلاَثَةُ أُصُولٍ- مِمَّا زَادَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَحْرُفٍ، إِلاَّ بَعْدَ حَذْفٍ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ هَدْمًا لاَ بِنَاءً. [2]
هَذَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُعْجَمَاتِ أَنَّ"ذَهَبَ"فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ لاَزِمٌ، لاَ يَتَعَدَّى إِلاَّ بِحَرْفِ الْبَاءِ، وَأَمَّا"أَذْهَبَ"فَفِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ مَزِيدٌ، مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وَلاَ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ إِلاَّ قَلِيلًا، وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ مَنْظُورٍ: «الذَّهَابُ: السَّيْرُ، وَالْمُرُورُ، ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا وَذَهُوبًا، فَهُوَ ذَاهِبٌ، وَذَهُوبٌ، وَالْمَذْهَبُ مَصْدَرٌ كَالذَّهَابِ، وَذَهَبَ بِهِ، وَأَذْهَبَهُ غَيْرُهُ: أَزَالَهُ، وَيُقَالُ:"أَذْهَبَ بِهِ"، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهُوَ قَلِيلٌ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يُذْهِبُ بِالأَبْصَارِ} [3] فَنَادِرٌ» [4] .
فَالْقِيَاسُ فِي اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنْ"أَذْهَبَ"أَنْ يَكُونَ"أَشَدُّ إِذْهَابًا"؛ لأَنَّهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ مَزِيدٌ، فَلاَ يُصَاغُ مِنْ لَفْظِهِ اسْمُ التَّفْضِيلِ.
وَافَقَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ خَالَفَهُ الْقِيَاسُ، قَالَ الْعَيْنِيُّ: « (أَذْهَبَ) "أَفْعَلُ"التَّفْضِيلِ مِنَ الثُّلاَثِيِّ الْمَزِيدِ فِيهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ"أَشَدُّ إِذْهَابًا"» [5] .
الْمُخَالَفَةُ الْخَامِسَةُ: مَجِيءُ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ لِلْمَفْعُولِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ:"أَحَبُّ"مَقْصُودًا بِهِ الْمَحْبُوبُ.
(1) شرح المفصل 4/ 139. وينظر: التصريح على التوضيح 2/ 96.
(2) ينظر: شرح المفصل 4/ 120، والتصريح على التوضيح 2/ 93.
(3) سورة النور، من الآية: 43.
والقراءة تنسب لأبي جعفر. ينظر: المحتسب 2/ 157، والنشر 2/ 332، والاتحاف، ص:412.
(4) اللسان (ذ هـ ب) 1/ 393، 394.
(5) عمدة القاري 3/ 271.