وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْخَيْرَ وَالْخِيَارَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالشَرُّ وَالشَّرَارَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وَعَلَيْه فَلاَ وَجْهَ لِمَا شَذَّ بِهِ ابْنُ مَنْظُورٍ.
ثَالِثًا: أَنَّ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَوْغِ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنَ الأَلْوَانِ وَالْعُيُوبِ:
-ذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ؛ لأَنَّ الأَلْوَانَ وَالْعُيُوبَ تَجْرِي مَجْرَى الْخَلْقِ؛ لِذَا شَذَّ عِنْدَهُمْ قَوْلُهُمْ:"أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ"، وَ"هُوَ أَعْوَجُ مِنْ كَذَا".
-وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَازِ صَوْغِ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ [1] ؛ لأَنَّهُمَا -فِي نَظَرِهِمْ- أَصْلاَ الأَلْوَانِ، وَمِنْهُمَا تَتَرَكَّبُ سَائِرُ الأَلْوَانِ؛ لِذَا فَإِنَّ قَوْلَهُمْ:"أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ"عَلَى الْقِيَاسِ.
كَمَا يُجِيزُونَ صَوْغَ"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ مِنَ الْعُيُوب؛ لِذَا فَإِنَّ قَوْلَهُمْ:"أَعْوَجُ مِنْ كَذَا"عَلَى الْقِيَاسِ.
رَابِعًا: أَنَّ الْقِيَاسَ فِي أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ -إِذَا كَانَ مُجَرَّدًا مِنْ"اَلْ"وَالإِضَافَةِ- أن يَلْزَمَ صِيغَةً وَاحِدَةً هِيَ"أَفْعَلَ"مُذَكَّرًا، فَلاَ يُثَنَّى، وَلاَ يُجْمَعُ، وَلاَ يُؤُنَّثُ؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْفِعْلِ وَالْمَصْدَرِ؛ لِذَا شَذَّ قَوْلُهُمْ:"صُغْرَى وَكُبْرَى، وَدُنْيَا"بِالتَّأْنِيثِ.
اعْتُذِرَ لِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِأَنَّهَا لَمَّا اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمَالَ الأَسْمَاءِ، حَيْثُ لاَ تَكَادُ تُذْكَرُ مَعَ الْمَوْصُوفِ، أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأَسْمَاءِ فِي عَدَمِ لُزُومِ الأَلِفِ وَاللاَّمِ فِيهَا لِلتَّطَابُقِ.
خَامِسًا: أَنَّ مِنْ شُرُوطِ اسْمِ التَّفْضِيلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلٍ ثُلاَثِيٍّ؛ لاِسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ بِنَاءُ"أَفْعَلَ"-بِهَمْزَةٍ زَائِدَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَبَعْدَهَا ثَلاَثَةُ أُصُولٍ- مِمَّا زَادَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَحْرُفٍ، إِلاَّ بَعْدَ حَذْفٍ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ هَدْمًا لاَ بِنَاءً؛ لِذَا شَذَّ قَوْلُهُمْ:"أَذْهَبُ"اسْمًا لِلتَّفْضِيلِ؛ لأَنَّهُ مِنْ فِعْلٍ ثُلاَثِيٍّ مَزِيدٍ"أَذْهَبَ"، فَلاَ يُصَاغُ مِنْ لَفْظِهِ اسْمُ التَّفْضِيلِ، بَلْ يُقَالُ فِيهِ:"أَشَدُّ إِذْهَابًا".
(1) ينظر: الإنصاف 1/ 141، وشرح الكافية 3/ 515، والموارد العذبة الصافية في شرح نظم الشافية، ص:98، وهمع الهوامع 6/ 43.