غَرَضُكَ فِيهِ مُتَابَعَةُ نَفْيِهِ، وَمُوَالاَةُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ قَوْلَكَ:"لاَ يَدَيْنِ بِهَا لَكَ"، لَسْتَ تَقْصِدُ بِهَا نَفْيَ يَدَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وَإِنَّمَا تُرِيدُ نَفْيَ جَمِيعِ قُوَاهُ، وَكَمَا قَالَ الْخَلِيلُ -فِي قَوْلِهِمْ:"لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ": إِنَّ مَعْنَاهُمَا: أَنْ كُلَّمَا كُنْتَ فِي أَمْرٍ فَدَعْوَتَنِي إِلَيْهِ أَجَبْتُكَ، وَسَاعَدْتُكَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِذَا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بِالْبُرْدِ مِثْلُهُ *** دَوَالَيْكَ حَتَّى لَيْسَ لِلْبُرْدِ لاَبِسُ [1]
أَيْ: مُدَاوَلَةً بَعْدَ مُدَاوَلَةٍ، فَهَذَا عَلَى الْعُمُومِ، لاَ عَلَى دَوْلَتَيْنِ ثِنْتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"دُهْدُرَّيْنِ"، أَيْ: بَطُلَ بَطَلًا بَعْدَ بَطَلٍ.
-وَمِنْهَا وُجُودُ الْجَمْعِ فِيهَا فِي"هَيْهَاتَ"، وَالْجَمْعُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالاِسْمِ.
-وَمِنْهَا وُجُودُ التَّأْنِيثِ فِيهَا فِي"هَيْهَاةٍ، وَهَيْهَاتَ"، وَ"أَوْلاَةُ الآنَ"، وَ"أُفَّى"، وَالتَّأْنِيثُ بِالْهَاءِ وَالأَلِفِ مِنْ خَوَاصِّ الأَسْمَاءِ.
-وَمِنْهَا الإِضَافَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ:"دُونَكَ، وَعِنْدَكَ، وَوَرَاءَكَ، وَمَكَانَكَ، وَفَرَطَكَ، وَحَذَرَكَ".
-وَمِنْهَا وُجُودُ لاَمِ التَّعْرِيفِ فِيهَا، نَحْوُ:"النَّجَاءَ"، فَهَذَا اسْمُ"انْجُ".
-وَمِنْهَا التَّحْقِيرُ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الأَسْمَاءِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"رُوَيْدَكَ"، وَبِبَعْضِ هَذَا مَا (يَثْبُتُ مَا دَعْوَاهُ) أَضْعَافُ هَذَا».
الْقَوْلُ الآخَرُ: أَنَّ أَسْمَاءَ الأَفْعَالِ أَفْعَالٌ حَقِيقَةً؛ لِذَا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهَا، فَتَتَّصِلُ بِهَا الضَّمَائِرُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلُغَةِ التَّمِيمِيِّينَ.
وَيَرَى الْبَحْثُ أَنَّ الأَوَّلَ أَرْجَحُ؛ لِقُوَّةِ أَدِلَّتِهِ، وَلأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَفْعَالًا حَقِيقَةً فَلاَ دَاعِيَ إِلَى تَسْمِيَّتِهَا بِـ"أَسْمَاءِ الأَفْعَالِ"بِإِضَافَةِ"أَسْمَاءَ"إِلَيْهَا.
ثَانِيًا: أَنَّ"هَلُمَّ"وَرَدَ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَهِيَ لُزُومُ الإِفْرَادِ وَالتَّذْكِيرِ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا الأَفْصَحُ، قَالَ الزَّجَّاجُ: «فَأَكْثَرُ اللُّغَاتِ أَنْ يُقَالَ:"هَلُمَّ"لِلْوَاحِدِ، وَالاِثْنَيْنِ،
(1) البيت من الطويل، لعبد بني الحسحاس في: ديوانه، ص:16، والكتاب 1/ 350، وشرح المفصل 1/ 293.