*وَشَذَّ فِي الْفَارِسِ مَعْ مَا مَاثَلَهْ*
وَقَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: «وَالْفَارِسُ: صَاحِبُ الْفَرَسِ، عَلَى إِرَادَةِ النَّسَبِ، وَالْجَمْعُ"فُرْسَانٌ، وَفَوَارِسُ"، وَهُوَ أَحَدُ مَا شَذَّ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، فَجَاءَ فِي الْمُذَكَّرِ عَلَى"فَوَاعِلَ"» [1] .
وَوَجْهُ الشُّذُوذِ: أَنَّ"فَارِسًا"صِفَةٌ لِمُذَكَّرِ، عَاقِلٍ، عَلَى وَزْنِ"فَاعِلٍ"، وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا يُجْمَعُ عَلَى"فَوَاعِلَ"؛ «لأَنَّهُمْ قَدْ جَمَعُوا الْمُؤَنَّثَ عَلَيْهِ، فَكَرِهُوا الْتِبَاسَ الْبِنَاءَيْنِ؛ إِذْ لَوْ قَالُوا:"ضَوَارِبُ"وَ"كَوَاتِبُ"، لَمْ يُعْلَمْ أَجَمْعُ"فَاعِلٍ"هُوَ، أَمْ جَمْعُ"فَاعِلَةٍ"؟» [2] .
وَالْمُسَوِّغُ لِهَذَا الشُّذُوذِ: أَنَّ"فَارِسًا"خَاصٌّ بِالرَّجُلِ، فَلاَ يُقَالُ:"امْرَأَةٌ فَارِسَةٌ"؛ لِذَا أُمِنَ اللَّبْسُ عِنْدَ جَمْعِهِ عَلَى"فَوَارِسَ" [3] ؛ لأَنَّهُ -عِنْدَئِذٍ- يَنْصَرِفُ إِلَى الرِّجَالِ فَقَطْ، وَفِي هَذَا يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: «إِلاَّ فِي"فَوَارِسَ"، فَإِنَّهُمْ قَالُوا:"فَوَارِسُ"، كَمَا قَالُوا:"حَوَاجِزُ"؛ لأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لاَ يَقَعُ فِي كَلاَمِهِمْ إِلاَّ لِلرِّجَالِ، وَلَيْسَ فِي أَصْلِ كَلاَمِهِمْ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ لَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَخَافُوا الاِلْتِبَاسَ قَالُوا:"فَوَاعِلُ"» . [4]
وَإِلَى مِثْلِ هَذَا ذَهَبَ الْمُبَرِّدُ فِي (الْمُقْتَضَبِ) [5] ، وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي (الإِيضَاحِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ) [6] .
تَأَوَّلَ بَعْضُ النُّحَاةِ مَا وَرَدَ مِنْ نَحْوِ"فَوَارِسَ، وَهَوَالِكَ"عَلَى أَنَّهَا صِفَاتٌ لِـ"طَوَائِفَ"؛ فَيَكُونُ جَمْعًا لِـ"فَاعِلَةٍ"عَلَى الْقِيَاسِ، لاَ جَمْعَ"فَاعِلٍ". [7]
اسْتُدْرِكَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ مَوْصُوفُ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ لِذَا لاَ يُقَالُ- مَثَلًا-:"رِجَالٌ فَوَارِسُ، أَوْ هَوَالِكُ"بِتَأْوِيلِ: طَوَائِفَ فَوَارِسَ، أَوْ هَوَالِكَ. [8]
(1) اللسان (ف ر س) 6/ 159. وينظر: القاموس والمصباح المنير في المادة نفسها.
(2) شرح المفصل 3/ 300.
(3) ينظر: شرح المفصل 3/ 301، ومجموعة الشافية 1/ 143، والتصريح على التوضيح 2/ 548.
وابن الحاجب هو: أبو عمرو، عثمان بن عمر بن أبي بكر، الدُّونِيُّ، جمال الدين، المعروف بابن الحاجب؛ لأن أباه حاجبا بقوص للأمير عز الدين موسك الصلاحي، ولد بـ"إِسْنا"من صعيد مصر، سنة سبعين وخمس مئة (570 هـ) ، كان نحويا وفقيها مالكيا، اشتغل بالنحو، واللغة، والأصول، من مصنفاته:"الكافية"في النحو، و"الشافية"في الصرف، و"مختصر في أصول الفقه". توفي بالإسكندرية، سنة ستٍّ وأربعين وستّ مئة (646 هـ) . ينظر: وفيات الأعيان 3/ 248، وإشارة التعيين، ص:204، 205، والبلغة، رقم (220) ، ص:116.
(7) ينظر: الارتشاف 1/ 451، وشرح الأشموني مع حاشية الصبان 4/ 141.
(8) ينظر: السابقان أنفسهما.